آخر بشارة تزفها إدارة الرئيس بوش، على لسان الوزيرة رايس، أن «التوصل إلى اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بنهاية العام، هدف يمكن تحقيقه». يعني ذلك أنه بالإمكان التوصل إلى حلول بشأن المواضيع الرئيسية الخمسة العالقة. إذا كان الأمر كذلك فإن المحادثات التي أجرتها، مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين، خلال اليومين الأخيرين في القدس ورام الله كان من المفترض، بل المفروض أن يجري التركيز فيها على هذه القضايا بالذات.

أو على الأقل أن تعطى فيها الأولوية للعقبات التي حالت حتى الآن دون تحقيق أي تقدّم على هذا الصعيد، لا وفق خريطة الطريق ولا وفق أنابوليس. الذي حصل أن القسم الأكبر من محادثاتها، حسب تصريحاتها وما نقل عن مصادرها، استهلكته قضية الحواجز الإسرائيلية في الضفة؛ فضلاً عن وجوب «تحسين» الأوضاع في المناطق الفلسطينية.

عقبة الاستيطان تحدثت عنها رايس، لكن فقط بلغة العتب.. الخجول. عملياً بقيت القضايا الكبيرة معلّقة مكانها. ومع ذلك أصرّت الوزيرة على إشاعة التفاؤل. وهي لا بدّ وأنها تدرك مدى شبه استحالة ذلك. ليس فقط بسبب قصر فسحة الزمن المتبقي من هذا العام؛ بل أيضاً وأساساً بسبب التخريب والتحايل الإسرائيليين، على المفاوضات والعملية برمّتها.

والأصح، بسبب التراخي الذي تبديه الإدارة الأميركية تجاه السلوك الإسرائيلي؛ والذي يوازي التواطؤ مع تل أبيب، ضد أية عملية سلام تؤدّي إلى قيام دولة فلسطينية. فبدلاً من وضع الإصبع على الجرح اكتفت الوزيرة بالقول إن «الاستيطان مثير للمشاكل». رفعت العيار اللفظي فقط. في الماضي كانت تقول، كما اعتاد أسلافها، إن «بناء المستوطنات لا يساعد» على المضي بعملية السلام.

توصيف ضبابي، لا يضع فعل الاستيطان في مكانه التخريبي كناسف لأي مشروع سلام أو أية تسوية، قبل أن تبدأ. وهذا ما حصل. خاصة في السنوات التي أعقبت «خريطة الطريق»، ثم أنابوليس. ووصفه اليوم بأنه «مثير للمشاكل» فقط، لا يزيد ولا يؤخر. ولذلك قفزت الوزيرة فوق هذا الحاجز وجاءت تعرض على القيادة الفلسطينية فكرة «اتفاق إطار» يتضمن «تعريف» الدولة الفلسطينية.

وفي ذات الوقت، يشكل «الأحرف الأولى» لمعاهدة السلام! لم يكن في جعبتها أكثر من ذلك. أما مطالبة الجانب الفلسطيني، بضمانات وآليات وبحمل إسرائيل على تنفيذ المرحلة الأولى من «خريطة الطريق» ـ وهي مطالبات قديمة ومكرّرة عشرات المرات ـ فلم تحظ بردّ أبعد من عرض «لتحديد المبادئ». وحتى هذه المبادئ، مرهون تنفيذها «بموافقة إسرائيل».

تقزّمت: من دولة، إلى تفكيك حواجز، إلى تحسين أوضاع، وبالنهاية إلى «اتفاق إطار». ومع ذلك لا تتردّد الوزيرة في الترويج للسلام وإمكانية إنجازه في غضون الأشهر الستة الباقية من هذا العام! وربما كان من الممكن تحقيق الهدف، لو أن دينامية التفاوض أخذت غير هذا المنحى.

أما وأنها لا تزال في ما هي عليه، حتى اللحظة، بل حتى إشعار آخر، فإن جولة الوزيرة، التي ضربت الرقم القياسي، لا تبدو أنها أكثر من مقدمة لزيارة الرئيس بوش القريبة إلى إسرائيل، لمشاركتها احتفالات ذكرى تأسيسها الستين. وترتيب المشهد بما يعطي الانطباع بأن إدارته قد حققت شيئاً ما على صعيد هذه القضية. ولو في حدود «مبادئ». أما الحلول فليست في زمن رئاسته. فلو كان في أجوائها مطر، لكانت غيوم السلام ظهرت فيها، قبل هذا الوقت.