تتضارب الآراء الفلسطينية الرسمية حول نتائج المفاوضات، السرية منها والعلنية، التي تجري حاليا، وبرعاية امريكية، بين السلطة في رام الله والحكومة الاسرائيلية، فبينما يؤكد السيد نبيل ابو ردينة الناطق باسم الرئيس محمود عباس ان الهوة واسعة بين الجانبين، خرج علينا مسؤول فلسطيني بتصريحات ادلي بها لوكالة الصحافة الفرنسية، يؤكد فيها حصول تقدم وان الادارة الامريكية بدأت العمل باتجاه التوصل الي اتفاق اطار لتعريف الدولة الفلسطينية يشكل الاحرف الاولي لمعاهدة سلام.
الفلسطينيون ليسوا بحاجة الي اتفاق اطار يعيد حالة من الجدل حول تعريف الدولة الفلسطينية وحدودها، ويظل مجرد صياغات لفظية ليس لها اي نصيب من التطبيق عمليا علي الارض، تماما مثلما حدث مع اعلان مبادئ اوسلو.
اشغال الفلسطينيين بهذه الصياغات البيزنطية متعمد، لابقائهم في دائرة مفاوضات عبثية، تعطي انطباعا مخادعا للرأي العام العالمي، بما يفيد بان اسرائيل التي ترتكب مجازر شبه يومية وتمارس حصارا نازيا علي الفلسطينيين هي دولة محبة للسلام، وتسعي لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هو عن حالة التكتم التي تحيط بموضوع المفاوضات، وحتي متي تستمر، ولماذا لا يتم اطلاع الاطراف المعنية، والفلسطينية خصوصا علي حقيقة ما يجري فيها.
السيد احمد ابو الغيط وزير الخارجية المصري اعرب عن اعتقاده بحدوث تقدم في هذه المفاوضات، واشتكي من عدم اطلاع مصر والدول العربية الاخري علي طبيعة هذا التقدم، خاصة ان مصر تلعب دورا مباشرا في اوجه عديدة من الملف الفلسطيني، وتستضيف حاليا ممثلي العديد من الفصائل سعيا للوصول الي تهدئة في قطاع غزة توقف اطلاق الصواريخ علي المستوطنات الاسرائيلية.
نتفق مع السيد ابو الغيط في شكواه، ونري انه محق تماما فيها، فلا يجوز عزل مصر عن ملف التسوية كليا، وحصر دورها في القضايا الامنية فقط، مثل التهدئة، ومنع التهريب عبر الحدود، ومفاوضات اطلاق سراح الجندي المخطوف جلعاد شاليط. ولكن ما نختلف معه فيه هو صمت حكومته علي هذا الاهمال المتعمد لها، وابعادها بالكامل عن عملية سلمية كانت اول من بدأها علي صعيد الوطن العربي باسره.
ومن المؤسف ان هذا التجاهل يمتد ايضا الي الشعب الفلسطيني باسره، في الوطن والمهجر، الذي من المفترض ان يستفيد او يتضرر من اي اتفاق تتوصل اليه سلطة رام الله التي لا تحظي بتفويض منه للتفاوض باسمه علي قضايا مصيرية مثل قضايا الوضع النهائي.
المفاوضون الفلسطينيون يتفاوضون دون اي مرجعية فلسطينية مثل المجلس الوطني، او المجلس المركزي، او حتي اللجنة المركزية لحركة فتح ، الامر الذي يثير الكثير من المخاوف حول امكانية توريطهم للشعب الفلسطيني باسره في اتفاق سلام علي غرار اتفاق اوسلو يتم تمريره من خلال استفتاء مزور.
من حق الشعب الفلسطيني، والدول التي تساند حقوقه المشروعة، والعربية منها خاصة، ان تعرف ماذا يجري في الغرف المغلقة، حتي لا تقع كارثة جديدة، لا تقف آثارها السلبية عند حدود فلسطين، وانما المنطقة العربية باسرها، تماما مثلما حدث بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد، ومعاهدات السلام الفردية الاخري التي تبعتها.
