يحاول بعض المنظرين في شرق أوروبا ممن يصفون أنفسهم بالمحافظين تقديم صورة مشوّهة جدا عن الوحدة الأوروبية بآفاقها المستقبلية، والتي من المفترض أن تبدأ بتكريسها تدريجيا اتفاقية لشبونة الموقّع عليها مؤخراً. هؤلاء اختصروا مؤخرا نظرتهم التشاؤمية برسم كاريكاتوري يعكس ما يعتقدون أنه النتيجة النهائية لمشروع التكامل الآخذ بالتطور، يبيّن رجلا يحمل سيفا مرفوعا وسط سنبلتي قمح كتب تحتهما (EUSSR).
الاختصار يعني في شقه الانجليزي «الاتحاد الأوروبي»، وفي شقه الثاني الروسي «للجمهوريات الاشتراكية السوفييتية»، وهو بالتالي يختصر سلسلة من الأفكار المثيرة للاهتمام التي أراد هؤلاء نقلها إلى الرأي العام لإيهامه بخطورة ما يجري، ومفادها أن مشروع التكامل الأوروبي بشكله الحالي سيؤدي لنشوء تكتل يشبه لحد كبير الحشد السياسي ـ الاقتصادي الذي كان قائما أبان المنظومة الاشتراكية.
الغريب في الأمر أن النظريات التشاؤمية هذه لم تجد أرضا خصبة لها في الدول الغربية ـ باستثناء المدارس السياسية المحافظة في بريطانيا وغيرها التي كانت أكثر مرونة في تعاطيها مع هذا الأمر ـ لكنها وجدتها في بعض دول المنظومة الاشتراكية السابقة ممّن تعتقد في قرارة نفسها أنها باتت تشكل وقود شعلة الدفاع عن الكيان الوطني ومنقذه من مشروع الذوبان الذي تسعى بعض القوى الأوروبية لتحقيقه من خلال هذه الاتفاقية وغيرها.
هذا الأمر ظهر بوضوح مؤخرا في بعض دول وسط أوروبا كتشيكيا على سبيل المثال من خلال أداء الحزب المدني الديمقراطي المحافظ، أحد أبرز المشكّكين بعملية التكامل الأوروبي بشكلها الحالي والمطالبين بتصحيح مسارها وفق تصوراته وآرائه.
وقد يبدو الأمر عاديا إذا وضعناه ضمن سياق حرية التعبير السائدة في أي مجتمع أوروبي ديمقراطي، لكن ما يجعله فريدا هو أن الحزب المذكور الممسك حاليا بأبرز تفاصيل السلطة من خلال قيادته للائتلاف الحاكم وإمساكه برئاسة الجمهورية، شارك من خلال ممثليه في مراسيم التوقيع على اتفاقية لشبونة لكنه أصر بعد ذلك على إحالتها إلى المحكمة الدستورية لكي تنظر في مدى دستورية البنود التي تتضمنها وفيما إذا كانت تتطابق مع القوانين المحلية.
خطوة فريدة من نوعها لم تتجرأ حتى الدول الأخرى التي تتمتع بوزن ثقيل على الساحة الأوروبية من القيام بها، لكنها أثارت بطبيعة الحال إعجاب القوى المحافظة في الدول الأخرى المجاورة، التي بدأت تطالب ممثلي الحكم في بلادها بتحرك مماثل من أجل «الحفاظ على الشرف الوطني»، مثلما زعم أحد السياسيين البولنديين مؤخرا.
إن هذا التحرك يثير في واقع الأمر تساؤلات واستفسارات كثيرة يسعى جميع المراقبين لإيجاد الأجوبة المنطقية عليها. أولها يتعلق فيما إذا كانت هناك إشكالية لدى تلك القوى لتكريس انتماءها الأوروبي التي استماتت للتعبير عن إخلاصها له قبل وأثناء الثورات المختلفة التي أطاحت بالأنظمة الاشتراكية السابقة.
وهل أن رفض التكامل بشكله الحالي يعني أن القوى المحافظة ستكون قادرة على الانسحاب من هذا المشروع في حال شعرت بأن القوى الأخرى مصرة للمضي قدما بتنفيذه إيمانا منها بتكامل مجتمعاتها وتشاركها في كثير من المعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
يبدو من المعطيات المتوفرة حاليا بأن القوى المحافظة لن تجرؤ على المضي قدما بتنفيذ أي مشروع قد يضع بلادها في موقع معزول وبعيد عن المجموعة الشاملة الساعية للتكامل، ولذلك بدأت تقارب هذا الملف من جوانب مختلفة انطلاقا من مسألة «الدفاع عن الشرف الوطني» التي سبقت الإشارة إليها.
حيث تسعى في هذا السياق للإضاءة على بعض المخاطر التي تتناقض مع مصالحها الوطنية قبل إتمام عملية التكامل، وهي: التصدي للمحاولات التي تقوم بها القوى التكاملية لتحقيق الفدرالية أو أشكال أخرى من التجمّعات السياسية المشابهة، التصدي قدر الإمكان للمحاولات الهادفة لخفض نسبة الحقوق المرتبطة بحق النقض (الفيتو) والتي تتمتع بها الدول الأعضاء أثناء عملية التصويت على القرارات الهامة.
باعتبار أن اتفاقية لشبونة تحد من هذه الحقوق حسب رأيها، النضال من أجل فرض تغيير جدي في طريقة تصويت الدول الأعضاء، بحيث لا تُظلم الدول الصغيرة ولا تذوب في كيان تتحكم وتؤثر فيه الدول الكبيرة، بذل الجهود الممكنة من أجل عدم فقدان التأثير خلال صنع القرار في قطاعات مهمة جدا قد يكون من بينها الشؤون الداخلية، الطاقة، الهجرة الشرعية، طريقة تمويل الاتحاد الأوروبي، إلخ.
ومقابل كل ذلك برزت معادلة أخرى فريدة ميّزت الصراع الذي نشهده بين القوى السياسية المحلية بسبب اتفاقية لشبونة، وكانت تشيكيا مجددا المثال الأوضح لما يجري انطلاقا من كونها مسرحا لأحداث مرتقبة مرتبطة بالتغييرات الجيوسياسية التي أطلقتها عملية توسيع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، والتي ستكتمل بانطلاق مرحلة جديدة من التوسع الأميركي العسكري باتجاه الشرق الأوروبي.
ما هو فريد في ما يجري هو أن قطبي الصراع يحاولان استغلال مقاربتهما لاتفاقية لشبونة لتحقيق أهداف أخرى ذات أبعاد إقليمية ودولية مرتبطة بالتوسع الأميركي المذكور. ففي وقت يصر أحدهما للمصادقة على اتفاقية لشبونة دون قيد أو شرط باعتبار أن ذلك سيؤكد مصداقية البلاد أمام المجتمع الأوروبي، يحرص الطرف الآخر على ربط عملية المصادقة مع قضية مماثلة في حساسيتها وربما تفوقها في درجة الخطورة، وهي الانضمام إلى دائرة النفوذ العسكري الأميركي من خلال الموافقة (دون قيد أو شرط أيضا) على بناء قاعدة الرادار الأميركية فوق الأراضي التشيكية.
ومع وصول الأمور إلى هذا المنحى يبدو بأن الصراع المستعر في وسط أوروبا سيعكس طبيعة الفرز القائمة على الساحة الأوروبية الأشمل، بين قوى تدعو لتحقيق الوحدة الأوروبية وأخرى تصر على أولوية التحالف اليورو ـ أطلسي باعتباره أساساً لأي استقرار دولي شامل.
كاتب لبناني