صحوت في صباح يوم قريب على أصوات الجرافات التي تجرف الأرض، فسألت جاري القريب مني عن ذلك فقال «إن الأرض التي دعيت لتحويلها لمشروع عام يخدم المنطقة وأهلها قد بيعت إلى شركة من الشركات الكبيرة في البلاد، والجرافات التي سمعت أصواتها تعمل على تسوية الأرض تمهيداً لتحويلها إلى قسائم للبيع وستباع الواحدة منها بحوالي مئة وعشرين ألفاً من الدنانير وان من اشتراها سوف يبيعها رابحاً فيها الكثير.
وإن دعوتك لشركة بتلكو بتحويل أرضها لمشروع عام ماتت يوم أُعطِيتَ كما يقول جاري «الأذن الصمخة». فأردفت مجيباً «إن الأذن الصمخة هي إحدى سمات هذه المنطقة»، فأضاف مسرعاً ألم تعرف عن القول الشائع بـ «صمخ النواخذة».
وتأملت قول جارنا هذا فقلت في نفسي إننا في مجتمعاتنا سلطة ومجتمع نمارس «صمخ النواخذة» أحياناً وإلا لما كنا فيما نحن فيه الآن. فحن نمارس هذا الصمخ مع أبنائنا ومع زوجاتنا وفي الشارع والمدرسة ومؤسسة العمل، حتى هذا النائب الذي انتخبه الشعب على أساس أنه ممثل له ويسمع بشكواه، فإنه يمارس بحقه قدراً كبيراً من «الصمخ»، وإننا كلنا نعمل وفق «الحكمة» القائلة ان السكوت (تظاهر الصم) عن المشكلة سيحلها عبر الزمن.
لقد سبق وأن دعوت بأن يساهم رأس المال الخليجي في ما أسميته حينها برأس المال الاجتماعي الذي لا تحصد نتائجه دنانير وأفدنة وسبائك ذهب على المدى القصير وإنما يحصد فيها المجتمع ثماراً كبيرة ووفيرة على صعيد التنمية الإنسانية التي باتت تتلكأ خطواتها وبات من دخل السباق فيها متأخراً يسبقنا فيها بخطوات.
رد جاري الكريم عليّ قائلاً «كل هذا الكلام لا يغني ولا يسمن من جوع، لقد طارت الطيور بأرزاقها فأبحث لك عن مخرج آخر غير هذا الكلام الذي لا نفهمه أو بالأحرى لا نريد جميعاً أن نفهمه..الشركة التي باعت الأرض كان هدفها تعظيم الربح وهي في هذا رغم معرفتها بحاجة المنطقة كانت تبحث عن مستثمر محلي أو خارجي لأرض هي في الأساس أعطيت لها من قبل الدولة قبل أكثر من أربعة عقود وأعطيت لها بدائل أخرى عوضاً عن أجزاء منها عندما حُولت هذه الأرض لمشروع إسكاني في الثمانينات».
هممت بالاتصال بممثل المنطقة في المجلس البلدي فقال «أنت تعرف أننا في المجلس البلدي قد أصدرنا قراراً بلدياً يمنع البناء في هذه الأرض لأن المنطقة بها شحة كبيرة من الأراضي، بل انعدام تام لوجود أراضٍ عامة يمكن للدولة أن تقيم فيها مشاريع ذات نفع عام وتخدم الناس جميعاً ونشرنا ذلك في صحفنا المحلية».
فالمدارس تضيق بطلابها والمركزـ المراكز الصحية أصبحت لا تطاق من حيث عدد المترددين عليها، ولا توجد حديقة أو متنزه عام أو مراكز للتسلية وقضاء وقت الفراغ، وسكان المنطقة يزدادون بشكل كبير، إذ يقدر عدد سكان المنطقة الوسطى ما يفوق الخمسين ألف نسمة.. ألا تعرف أن البحرينيين قد ازدادوا خلال العام المنصرم 2007 بحوالي 15% كما تقول دراسة أخيرة نشرت بشكل واسع في الصحف الخليجية والعربية، تحذّر من الانفجار السكاني لمنطقة الخليج العربي.
طرقت باب جاري مرة أخرى وقلت له ان من اشترى الأرض لن يستطيع أن يحولها لمشروع تجاري لأن هناك قراراً أصدره المجلس البلدي يمنع البناء في هذه الأرض. وهنا بدت على وجه جاري ابتسامة عريضة وكأنه يقول لي ان «القول بأننا في دولة القانون كلام تسمعه في أجهزة الإعلام المختلفة إلا أنه قول يتراخى في بعض الأحيان على أرض الواقع» فهل يا ترى أن القانون لا ينتهكه الكبير والمتنفذ؟ وأنه ينفذ على الصغير كما الكبير؟.
فأجبته بقوة إن «بيل جيتس» وهو أحد أكبر أغنياء العالم قد غُرِمَت شركة مايكرو سوفت التي يملكها الملايين من الدولارات من قبل إحدى المحاكم الأميركية بتهمة الاحتكار، وهو قد قرر منذ فترة وجيزة أن يهب ما يقارب من نصف ثروته للأعمال الخيرية ذات النفع العام.
فأجابني بقوة أكبر «هذه أميركا يا راجل» ولذلك اكتسبت هذه القوة التي جاءت إليها من قوة القانون فيها الذي لا يفرق بين فقير وغني، ومن هم في مركز السلطة أو خارجها، وإن المصلحة العامة تعلو فيها على الخاصة أو خاصة الخاصة. فكم غنياً مثل بيل جيتس ممكن أن يفعل ويعمل ما فعله في مجتمعه وفي مجتمعات أخرى في منطقتنا العربية؟
ما الذي يمنعنا من أن نكون كذلك دولة يسود ويعلو فيها القانون؟. وكم من أصحاب المال عندنا تبنى مقعداً في إحدى الجامعات الوطنية وكم نفراً منهم أقام مؤسسات تعنى بقضايا الاستثمار في رأس المال الاجتماعي كمعهد دراسة أو مركزاً للعناية بالفئات الخاصة أو مركزاً بحثياً للعناية بأحد الأمراض العضال وكم.... وكم.
صمت صاحبي دون أن يجيب وكأنه يقول ان الزمن هو من سيجيب. أقفلت جالساً في «حوش» منزلنا طارقاً بنظري للسماء متسائلاً في نفسي لماذا هذا الذي يحصل في الغرب لا يحصل في بلادنا العربية، هل لأننا مسلمون أو لأن عرقنا العربي السامي مختلف عنهم أو لأننا دول غير مكتملة التشكل وأناسها لم تتشكل فيهم توجهات وقيم واتجاهات نحو الوطن الأكبر قبل الوطن الأصغر ؟.
لماذا شركة بتلكو وهي الشركة التي تمتلك الحكومة جل أسهمها، وهي الشركة الوطنية التي احتكرت سوق الاتصالات السلكية واللاسلكية لعقود طويلة، وهي الشركة التي تَنشر في صحفنا المحلية من أن أرباحها السنوية تقترب أو تزيد على المئة مليون دينار. ما سيضيرها لو حولت أرضها للمنفعة العامة ؟ وخلدت ذكراها في عقول ونفوس أبناء المنطقة وساهمت بحق كشركة وطنية في الاستثمار في رأس المال الاجتماعي.
لماذا لا يكون للاستثمار الاجتماعي موقع ومكانة في توجهات وأعمال أصحاب رأس المال من شركات وأفراد في تعاملهم مع أوطانهم، وأن لا يكون نهم تعظيم الثروة التي لن يأخذها الإنسان معه في مماته ولن تجدي في أخرته؟. لماذا لا يكون للوطن وأناسه مكان فيما يملكه أصحاب الثروة غير تعظيمها ؟، ما الذي يمنع أصحاب رأس المال من أبناء هذه المنطقة من أن يكونوا مثل سلطان العويس وجمعة الماجد وعبد الرحمن كانو وجواد بوخمسين والسلطان... وغيرهم بل وأن يكونوا مثل بيل جيتس وفورد وغيرهم.
كاتب بحريني