لم يجاف الرئيس بوش الحقيقة عندما رفع منذ خمس سنوات شعار «المهمة أنجزت» في العراق، بعد الضربة القاضية التي وجهها جيشه للنظام العراقي السابق وأطاح برئيسه من خلالها.
ذلك الشعار أثار ردود أفعال متضاربة حول العالم، فلقد ذهب البعض إلى تأييد الرئيس الأميركي فيما خلص إليه من حصيلة غزو العراق، بينما عارضه آخرون متذرعين بالمعطيات التي تجري على أرض الواقع، لجهة أن حرب العراق لم تضع أوزارها بعد وأنها تشظت إلى حروب عدة لها منطلقات متباينة، بدءاً بالوطني ومروراً بالطائفي والمذهبي، وليس انتهاء بالإقليمي وغيره من محركات الحرب الغنية في بلاد الرافدين.
أغلب الظن أن كفة الميزان في هذه المعادلة ترجح لصالح أصحاب وجهة النظر الثانية، التي تقول إن الحرب لا تزال مشتعلة وأن لهيبها آخذ في الانتشار داخل وخارج العراق على حد سواء. بيد أن كلا الفريقين لم يتمكنا من ملامسة الحقيقة في ما ذهبا إليه، على الرغم من رجاحة رأي فريق على آخر، ذلك أن القضية لا تكمن في استمرارية الحرب من عدمها وإنما في طبيعة وأهداف المهمة التي أعلن بوش عن إتمامها.
هذه المهمة التي تصدت لها إدارة المحافظين الجدد في واشنطن ونفذها الجيش الأميركي بالتعاون مع عدد من قوات البلدان الأخرى وعلى رأسها المملكة المتحدة، تقوم في المقام الأول، على نشر الفوضى في المناطق الساخنة في العالم تسهيلاً لتحقيق المصالح الآنية للولايات المتحدة وحلفائها، بغض النظر عن حجم ما ينجم عنها من كوارث مدمرة على مختلف أنواعها.
في جهات العالم الأربع، أينما ولى المرء وجهه يجد نفسه أمام طوفان تراجع الاهتمام بقضية الإنسان كقيمة حضارية تجب المحافظة عليها واحترامها والعمل على تقليص معاناتها قدر المستطاع. والإنجاز الوحيد الذي يسجل للمحافظين الجدد على هذا الصعيد، يتمثل في بسط حالة شاملة من الدمار والفوضى في غير مكان من العالم، تبدو فيها الأزمات الخانقة بلا نهايات مرئية، لا على المدى القريب ولا البعيد.
وما كان بوسع المحافظين الجدد في واشنطن تحقيق هذا المأرب إلا عن طريق خلق قصة ساترة تمكنهم من حشد أوسع تحالف ممكن على الصعيد الوطني والدولي، فما كان، برأيهم، أنجع من إدخال الرعب إلى قلوب الناس وترويعهم بشتى الوسائل، بدءاً من نشرة الأخبار وصولاً إلى الفيلم السينمائي، الذي باتت تسيطر عليه مشاهد تقشعر لها الأبدان على الرغم من أنها لا تمت للواقع بصلة.
إذا أخذنا، على سبيل المثال، الذريعة الواهية التي ساقوها لأنفسهم وحاولوا تسويقها بخسة في غزو العراق، والقائلة بأن نظام صدام كان يمتلك أسلحة دمار شامل، فإن الوقائع أثبتت عدم صحة الأمر بصورة مطلقة، ناهيك عن المبالغة في مسألة ما أطلقوا عليه «الحرب ضد الإرهاب» التي شكلت ذريعة غزو أفغانستان والتي تعد، في أحسن الأحوال، حقاً يراد به باطل، شنت باسمه وتحت رايته حروب وحشية جائرة راح ضحيتها، حتى الآن، مئات آلاف الأرواح البريئة وتسببت بشتى صنوف العذاب والحرمان والتهجير القسري والمجاعة وسال على مذبحها الكثير من الدماء.
الطامة الكبرى تكمن في أن تأثيرات السياسات المتبعة من الإدارة الأميركية لم تقتصر على النتائج الكارثية المباشرة لمجموع هذه الحروب الجائرة، بل تعدتها بأشواط جدية حين طالت كافة مناحي الحياة، حيث تبرز أزمات عالمية جديدة ما كانت لترى النور لولا هذا التغول الإمبريالي الذي تمارسه المراكز الاحتكارية على الطبقات والشرائح الفقيرة في بلدان ما يسمى العالم الثالث.
وحين أذكت النار في أسعار المشتقات النفطية التي تسجل كل يوم أرقاماً قياسية جديدة، ما انعكس اقتصادياً على شكل حالة غير مسبوقة من التضخم المتصاعد يبدو أن لا قرار لها، وحين تراجعت الحريات وانتهكت حقوق الإنسان وظهرت المعتقلات السرية والطائرة واستخدمت أبشع وسائل التعذيب في عمليات التحقيق.
ناهيك عن تفاقم أزمة التلوث البيئي على الصعيد العالمي ومحاولات واشنطن التملص من أي اتفاقات دولية قد تلزمها وتجبرها على احترام البيئة، وظهور أمراض غريبة حار العلماء حيال تفسير أسبابها، ما أفسح في المجال أمام تصاعد الشكوك حول وقوف أطراف دولية وراء انتشارها.
إذا كان هذا هو المقصود من وراء عبارة «المهمة أنجزت». فنعم المنجز والإنجاز.