بعد 15 عاماً لا يزال السؤال مثار جدل: هل تصدق نبوءة صامويل هنتنغتون بشأن صراع الحضارات؟
هذا الفيلسوف الأميركي المعاصر نشر في النصف الأول من التسعينات نظرية مستحدثة مفادها أنه بانتهاء القرن العشرين انطوت صفحة الصراع العالمي القائم على تنافس الأيديولوجيات ليحل محله صراع الحضارات.. ولأن أهم عنصر في أي حضارة هو العقيدة الدينية فإن الحروب العالمية المستقبلية ستكون بالضرورة حروباً بين أديان.
ما يهمنا كأمة إسلامية بصفة خاصة هو ما ورد في النظرية من أنه سوف ينشأ في مدى مستقبل بعيد تحالف غربي بين المسيحية واليهودية في مواجهة تحالف شرقي بين الإسلام والبوذية الصينية. رؤية هنتنغتون أثارت مجادلات واسعة النطاق في الولايات المتحدة وأوروبا.
ومن خلال هذا الجدل الكثيف برزت ظاهرة دينية داخل أميركا لم تكن معروفة من قبل: ظاهرة «الإنجليين الصهاينة» التي كما يستدل من اسمها تدعو إلى تحالف بين المسيحية الغربية والأمة اليهودية يستهدف كسر شوكة الإسلام في العالم.. أو حتى استئصاله.
وبالإضافة إلى أن بروز هذه الجماعة استولى على اهتمام الوسائل الإعلامية الأميركية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن فإنه صدرت كتب بأقلام أكاديميين أميركيين تناولت الظاهرة بشيء من التفصيل، وكما يقول أحد هؤلاء الأكاديميين فإن أصول هذه الحركة تنطلق من تفسير للإنجيل يعود إلى القرن التاسع عشر وخرج به اثنان من القساوسة ويقوم على مبدأ «التدبير الإلهي» للكون.
ويرى أصحاب هذا التفسير أن العالم موعود بمرحلة من الاضطرابات ذات الخطورة المصيرية العليا بانتظار الخلاص الذي تحمله عودة المسيح عليه السلام إلى الدنيا ليقود المؤمنين في المعركة الحاسمة الأخيرة بين قوى الخير وقوى الشر فيما يعرف بمعركة «هرمجدون».
قوى الخير في هذه الحالة يقودها اليهود. وقوى الشر هي المسلمون وفقاً للتفسير. وبطبيعة الحال فإن الإنجليين الصهاينة، وبناءً على رؤيته يتعاملون مع الصراع العربي الإسرائيلي من منظور ديني صرف. وفي هذا يقولون علناً: كل حبة رمل بين البحر الميت ونهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط ملك لليهود بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويقولون أيضاً: نحن مع حق اليهود في الأرض التي منحها الرب لإبراهيم قبل أربعة آلاف عام.. فليس هناك شيء اسمه الفلسطينيون، هكذا تتردد في مثل هذا الطرح أصداء الملاحظات الواردة في نظرية صراع الحضارات وفي مقدمتها نشوء حلف ديني بين المسيحية الغربية والأمة اليهودية موجه ضد الأمة الإسلامية.
وبناءً على هذا الطرح فإن ما يجري حالياً من عمليات شد وجذب في إطار الصراع العربي الإسرائيلي ليس سوى معارك جانبية ومرحلية سوف تقود على مدى المستقبل البعيد إلى المعركة الدينية المصيرية العظمى ذات الطابع العقائدي ـ معركة لا ينحصر نطاقها في اشتباك محدود بين الفلسطينيين والإسرائيليين بل بين اليهودية والإسلام.
هذه هي على الأقل رؤية الطرف الآخر.. فما هي رؤيتنا كشعوب للأمة الإسلامية؟