من جديد تهب الرياح «الخمسينية»على لبنان. ومع أن البلد معتاد على هبوبها، بين الفينة والأخرى، خلال سنوات أزمته الثلاث الماضية؛ إلا أن درجة سخونتها، هذه المرة، أعلى. والرسائل التي تحملها، مختلفة كماً ونوعاً وأكثر نارية؛ وبالتالي أشدّ خطورة.
فهي تنذر باستمرار الانسداد في المشكلة؛ وما ينطوي عليه من تواصل النزف لمؤسسات هذا البلد وأوضاعه الواقفة على مفترق طرق فاصل. فالعودة المفاجئة والعنيفة إلى حرب التراشق، بين الأطراف اللبنانية، بالاتهامات غير المسبوقة بمضمونها وبمفرداتها؛ دفع الأمور إلى محطة متقدمة من التصعيد. التوقيت أيضاً ساهم في رفع منسوب المخاوف.
فما بدا أنه التهاب جديد، في الوضع، حصل مباشرة بعد تحركات وطروحات؛ أوحت باحتمال التوصل إلى مخرج ما. ثم انه حصل قبل أيام من جلسة مجلس النواب، المؤجلة للمرة التاسعة عشرة، لانتخاب رئيس جديد؛ والتي كان هناك خيط أمل بإمكانية عقدها وطي صفحة الانتخاب.
تعزّز الأمل بمجيء الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، إلى بيروت؛ للمشاركة في مؤتمر وإجراء اتصالات، مع المعنيين، على هامشه. لكن كل علامات التفاؤل هذه تبخّرت. الدعوة للحوار بقيت تراوح مكانها في أحسن أحوالها. الأمين العام جاء إلى بيروت وغادرها، من دون أن يوفّق بإحداث أي زحزحة للأزمة من مكانها. وبذلك صارت الجلسة رقم 19، شبه محكومة بمصير سابقاتها؛ ووسط أجواء شديدة التأزيم.
وعلى أبواب فصل الصيف، تعود حليمة إلى أبعد من عادتها القديمة. اللغة المتداولة، في الأيام الأخيرة، بدت وكأنها من الصنف الذي يهدّد بنسف بقايا الجسور القائمة؛ بين الأطراف اللبنانية. الأجواء مكهربة إلى أبعد الحدود. الهوّة توسعت وبما زاد من سرعة عطب الوضع اللبناني وشدّة هشاشته. ربما كان بلوغ التدهور هذا الحدّ المقلق هو ما حمل الأمين العام قبل مغادرته مطار بيروت على التصويب نحو «مسؤولية اللبنانيين».
وكأنه أراد القول وبصراحة، إن الأزمة اللبنانية، مهما قيل فيها وعنها، لجهة العوامل والتداخلات الخارجية في عناوينها كما في تفاصيلها؛ يبقى مفتاحها بالنهاية، بأيدي أصحابها. ففي نهاية الأمر القرار لهم، لو أرادوا تغليب الأولويات الوطنية والمصلحة العامة. أو على الأقل لو بقوا عند حدود معقولة من التحلي بالليونة ورفض الاقتراب من الخطوط الحمراء. وهو على حق مبين في تصويبه. فمن البداية كانت هذه الحقيقة شاخصة.
الأحداث ومحطات الأزمة، مع كل ما واكبها من تداعيات وتعقيدات تأتي لتؤكدها. رفض التزحزح أدّى إلى تفويت العديد من الفرص. ثمة سياسة سائدة فيها الكثير من الشمشونية. الاستعداد للمضي بالتصلب إلى آخر الشوط، حتى ولو كانت النتيجة خراب الهيكل فوق رؤوس الجميع؛ سياسة محفوفة بالمخاطر القاتلة، إن لم تكن انتحارية.
والخوف أن يكون الوضع قد دنا من هذه التخوم. وإذا كان الأمر كذلك، أو كان سائراً بهذا الاتجاه؛ فلا بديل عن التراجع؛ كما لن يكون هناك بديل عن اللبنانيين أنفسهم، من القيام بهذه الخطوة؛ إذا ما كانت الغاية الجامعة بينهم، عدم السماح بنحر البلد. ولا نخالهم إلاّ مجمعين على مثل هذه الغاية.
