موضوع الغلاف لمجلة «نيوزويك» الأميركية في 29 ابريل الماضي، كان تحقيقا شيقا أنجزه الصحافي كيفن بيراينو، حاول من خلاله الإجابة عن سؤال أساسي هو: لماذا أصبحت مدينة «درنة» الليبية مصدرا أساسيا للانتحاريين في العراق؟

لقد كان تحقيقا نموذجيا من تحقيقات الصحافة الأميركية، ذا حس استقصائي عال، لكن مشكلة الصحافيين الغربيين والأميركيين تحديدا أنهم باتوا أسرى صور نمطية خلقتها دعاية سياسية بالغة الكثافة ومليئة بالتلفيق انطلقت منذ 11 سبتمبر.

لقد تأسست الدعاية الأميركية عقب 11/9 على مجموعة مقولات أصبحت مثل الثيمات المختزلة بفجاجة وتحولت إلى ما يشبه البديهيات في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي والأميركي تحديدا. فمفردات مثل «الجهاد» و«السلفية» و«الوهابية»، اختزلت بشكل مهين للذكاء واكتسبت معنى واحدا محددا تم تسويقه للجمهور الغربي وتاليا تعميمه على العالم.

لقد شدد الأميركيون طويلا على إصلاح التعليم في البلدان العربية، وركزوا على ضرورة شطب كل ما يمت إلى «الجهاد» بصلة في مناهج التعليم منطلقين من فهم يقرب إلى السذاجة هو ان الجهاد والتعاليم المرتبطة به في القرآن الكريم هي السر الذي يجعل عشرات الشبان يذهبون للموت طواعية. أما وجه السذاجة في هذا الفهم، فهو أن الجهاد مثلما ورد في القرآن ومثلما يفهمه المسلمون على مر الأجيال ليس سوى دفاع عن النفس.

إن السياق الذي يحكم «الجهاد» في الفهم والفعل هو سياق الدفاع عن النفس. وما أخفق فيه الأميركيون وهم يروجون لهذه الصورة النمطية المرتبطة بالجهاد هو فهم ملتبس عندما يرون العمليات الانتحارية تتم في سياق هجوم يقوم به أفراد في أي مكان في العالم.

إنه تفسير ميكانيكي ينطوي على سذاجة، لأن الفهم العميق للأسباب التي تحدو بهؤلاء الشبان إلى الموت وقتل المدنيين (الأبرياء طبعا) هي أن هؤلاء ينطلقون من حقيقة أخرى قوية وراسخة هي أن المسلمين والعرب يواجهون العدوان حقا منذ وقت طويل، منذ إنشاء دولة إسرائيل وحتى احتلال العراق.

يستوقفني هذا التنميط (stereotyping) المهين للذكاء الذي بات يهيمن على الصحافيين الغربيين، وهم يتعاطون مع قضايا المنطقة. لا تستفزني الإهانة للذكاء فحسب، بل ما استشعره من خطورة للتنميط، فهو ليس سوى تضليل. في معرض استقصائه، يصل بيراينو إلى عنصر مهم من وجهة نظره في ترسيخ أسطورة المدينة لدى أبنائها باعتبارها مدينة للمقاومة المسلحة هو الاحتلال الايطالي لليبيا، ومنه يعرج بالطبع إلى الشيخ عمر المختار.

انه موضوعي عندما يصف في فقرتين سجل الاحتلال الايطالي لليبيا، وعندما عرج على «سيدي عمر»، قدمه كالتالي: «كان بطل التمرد مسلما كاريزماتيا يرتدي ثوبا ابيض ويخوض حربا مقدسة اسمه عمر المختار (..) كان أسد الصحراء تلميذ المدرسة السنوسية وهي حركة سرية ومحافظة جدا من الزهاد المسلمين، وقد قام مؤسس الحركة بأسفار كثيرة في السعودية حيث اختلط بأعضاء من التيار الوهابي البيوريتاني في منتصف الثمانينات من القرن الـ 19».

ليس وصف المقاومة المشروعة ب«التمرد» هي ما يستوقفنا، بل تلك الإحالة إلى التيار الوهابي والجسر الخفي الذي يريد الصحافي إقامته بين السنوسية والمختار والمقاومة وبين «الوهابية». فالوهابية مصطلح حديث جدا بالنسبة للقارئ الأميركي والغربي عموما، لكن معناه الرائج يضيق بشكل كبير عن استيعاب حقيقتين غفل عنهما الكاتب هنا: الأولى أن السفر إلى السعودية ظل ولا يزال أمرا طبيعيا لكل عربي ومسلم ولسبب لا علاقة له بالمذاهب هو «الحج».

الثاني، هو أنه إذا كان الكاتب يرى في السفر المتكرر لمؤسس مدرسة صوفية إسلامية (السنوسية) إلى السعودية أمرا يستدعي التوقف والإشارة، فإن هذا دليل سذاجة أولا واستحواذ الصورة النمطية التي رسختها الدعاية على ذهن هذا الصحافي. السبب يكمن في سياق التحقيق نفسه: البحث عن سر تدافع أبناء مدينة ليبية على الجهاد وتصدرهم قائمة الانتحاريين في العراق.

إن سذاجة هذا الصحافي خطرة وهي تسعى لجواب جاهز: صلات بين السنوسية والوهابية. وهو إذ ينسى أن السنوسية مدرسة صوفية (مثل عشرات من الطرق الصوفية في شمال أفريقيا والصحراء الكبرى)، فإنه أخفق بشكل غير مبرر علميا في أمرين: الأول إساءته للمقاومة الليبية للاحتلال الايطالي عبر ربطها بالمدرسة الوهابية وتقديم الأخيرة بشكل مختزل بمثابة الدافع للمقاومة التي قادها المختار.

فهو بهذا الربط لا يرى فيها المشروعية الثابتة لكل الشعوب في مقاومة الاحتلال. والثاني أنه لم يستطع أن يفهم حقيقة تعلق الليبيين بعمر المختار إلا مربوطة بمشاعرهم اليوم إزاء الاحتلال الأميركي للعراق، فهو يقدم هذا كله في سياق محاولة تفسير سبب تصدر الانتحاريين من هذه المدينة (درنة) للانتحاريين من بلدان عربية أخرى. وعليه فإن المختار هنا ليس بطلا قوميا أدى واجبه في مقاومة احتلال بلاده، بل أن الإقرار بهذه الحقيقة يأتي في سياق مختلف تماما.

هنا، فإن تعلق الليبيين بالمختار بالنسبة لهذا الصحافي يحتاج إلى تفسير وشرح وهو على أية حال لا يشبه تعلق الأميركيين بجورج واشنطن ولا بتوماس جيفرسون مثلا. ولا يشبه تعلق الفرنسيين بجان دارك. فالبطل الليبي يقدم هنا باعتباره من أتباع مدرسة إسلامية لها صلات مبكرة بالوهابية دون محاولة استقراء من أي نوع للوهابية المعنية نفسها.

فوهابية القرن التاسع عشر التي عاشت في خضم صراعات داخلية وخارجية جمة، هي بالتأكيد وهابية مختلفة عن وهابية القرن العشرين. ووهابية النصف الأول من القرن العشرين هي نفسها التي ظلت كامنة ولا تثير كل هذا الاستياء لدى الأميركيين والغربيين مثلما هو الحال منذ 11/9.

«الجهاد» و«الوهابية» و«السلفية» اكتشافات جديدة وطارئة بالنسبة للأميركيين، وأخطر ما في هذا كله هو أن محاولة الفهم من طرف الأميركيين مليئة بالتنميط المستمد من قاموس حملة التضليل والسذاجة والأكاذيب التي انطلقت منذ 11/9.

كاتب وصحافي بحريني