الأصل أن الكوكب الأرضي بجهاته الجغرافية الأربع الشرق والغرب والشمال والجنوب هو الوطن الأكبر الذي تعيش عليه البشرية كلها بتنوعها الاثني واللغوي والديني والفكري، وتتوزع فيه الثروات الطبيعية وتتباين فيه المهارات العلمية والخصائص البشرية والسمات الثقافية والتقاليد الاجتماعية بما يشكل مجتمعا إنسانيا عالميا لا يكون التمايز والاختلاف فيه سببا للصراع ولكن سببا للشعور الإنساني العام بالحاجات والمصالح المتبادلة.

كما اقتضت حكمة السماء، بما يضع أساسا لمجتمع إنساني ليس لديه خيار لتحقيق أمنه وأمانه الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والسياسي وحتى الثقافي إلا بالتعايش وبالتعاون والتكامل، وباحترام الاختلاف وحرية الإرادة، والسعي إلى الائتلاف على القواسم الإنسانية المشتركة دون عدوان ودون ظلم ودون استغلال.

ولا شيء يوحد مشاعر وتوجهات البشر خصوصا نحو الخير وبعيدا عن الشر سوى الإيمان الواحد بأن لكل هؤلاء البشر ربا واحدا يهدي ويكافئ ويغفر ويحاسب، ومرجعية سماوية واحدة يمكن أن يحتكم إلى قيمها العظمى الرئيسية كل المؤمنين من البشر وهم بالمناسبة وحسب الإحصاءات غالبية البشر، ولا أمان للبشر إذا الإيمان ضاع، ولا دنيا بغير ظلم ولا عدوان ولا استغلال إذا الدين غاب أو غيب.

فليس في صحيح أي دين دعوة لظلم فرد أو جماعة أو شعب، بل كل الأديان ترفض الظلم وتدعو لمقاومة الظلم وتتوعد الظالمين.. وليس في صحيح أي دين دعوة للعدوان على أحد حيث إن أمر السماء هو «ولا تعتدوا» ولكن دعوة فقط لرد العدوان بمقاومة العدوان، حيث لا عدوان إلا على الظالمين.. وليس في صحيح أي دين دعوة لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، والأرض أرض الله والمال مال الله، وأموال الأغنياء تسع الفقراء لتقضي نهائيا على الفقر الذي يمثل عبودية العصر.

وليس في الدين أي دين إلا دعوة للأخوة الإنسانية باعتبار أن كل البشر هم أبناء وأحفاد الجد الأكبر آدم عليه السلام، ودعوة لتكريم الإنسان باعتباره إنسانا من بني آدم، ودعوة لأن يحب كل إنسان لأخيه الإنسان كل ما يحبه لنفسه، وليس بالاستئثار بالثروة ولا بالاستبداد بالقوة لارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، ودعوة للتعايش بين الناس على اختلاف الأديان والألوان والأوطان بالعدالة باعتبارها الطريق الوحيد إلى السلام.

ولا أدرى كيف يمكن للقيم المادية اللادينية الطاغية في العالم الغربي الآن والتي يروج لها بثمن بخس في العالم العربي بعض تلاميذ الليبرالية الجديدة اللاليبرالية لأنها تعادي حرية الاعتقاد، والعلمانية الجديدة اللاعلمانية لأنها تعادي حرية الدين، أن تنجح مثلا في تحقيق الحرية للإنسان أو للأوطان بينما تسقط في تناقض واضح لأول حقوق الإنسان وهو الحق في الحرية، وبينما بماديتها اللاروحية تكون دافعة إلى الأنانية والطمع والصراع للسيطرة السياسية والاقتصادية بدون النظر إلى سلامة أو شرف الوسيلة.

بل لا أدري كيف يمكن للجهود البشرية العالمية أن تنجح في تحقيق الأمن ضد الجرائم مثلا دون تمكين ما يمثل مصدر الالتزام الخلقي داخل كل إنسان وهو الدين حيث ثبت فشل مصادر الإلزام من خارجه في منع الجريمة، أو إلى تحقيق الأمان دون إيمان يدفع الإنسان خصوصاً في موقع القوة السياسية أو الاقتصادية لإحقاق الحقوق ولصنع الخير وليس لارتكاب الشرور في حق نفسه قبل أن تكون في حق أخيه الإنسان.

والمنتسبون إلى كل دين ثلاثة أقسام هم شهود الصدق الذين يؤمنون بصحيح كل دين وهم القلة، وشهود الزور الذين يحرفون ويوظفون الدين ضد روحه ومبادئه العليا لخدمة أغراضهم الدنيوية الضيقة وهم أكثر، وبينهما الأكثرية الكبرى من الوسطيين والحائرين واللامبالين، وهنا لابد من الحوار المتواصل بين شهود الصدق في كل دين وهم قوى الخير لمنع شهود الزور وهم قوى الشر بالظلم والعدوان والاستغلال من دفع الإنسانية إلى الهاوية.

mamdoh77@hotmail.com