اعتراف الوزيرة رايس، في لقاء الرباعية، بأن فرص نجاح حلّ الدولتين بدأت «تتضاءل على مرّ الأيام»؛ أصاب كبد الحقيقة. لكن الحقيقة المنقوصة. ملاحظتها عن واقع حال «عملية السلام»، الفلسطينية ـ الإسرائيلية، بقيت في خانة التوصيف. أعفت نفسها من التشخيص، ناهيك بوصف العلاج. وهنا مربط الفرس. فهي تدرك ذلك جيداً وتعلم تمام العلم أسباب التعثر والجهة المسؤولة عنه.

مع ذلك، هي لم تتجاهل هذه الجهة فقط؛ بل استبدلت الأدوار ورمت كرة الملامة خارج ملعب إسرائيل. إنها كمحاولة حجب الشمس بالغربال. ممارسة اعتادت عليها واشنطن، في تعاملها مع الملف الفلسطيني. فلا شك أنها على دراية تامة وكافية بالتخريب المنهجي، الذي تمارسه إسرائيل؛ بهدف الإطاحة بكافة المحاولات والجهود الرامية إلى تثمير المفاوضات؛ التي أفرغتها من أي مضمون وعطّلت آلياتها؛

فحكمت عليها بالمراوحة والعقم. آخر وجبة من العراقيل تمثلت في تعاطيها مع أنابوليس. لم يحظ هذا الأخير، من جانبها، سوى بوضع العصي في دواليبه. مراراً وتكراراً؛ وعلى مرأى ومسمع الإدارة التي أخذت على نفسها ـ أو هكذا أوحت ـ بأن تبصر الدولة الفلسطينية النور، قبل نهاية العام الجاري؛ الذي تنتهي معه ولاية الرئيس بوش. رفعت من وتيرة حركة الاستيطان.

عنّفت هجمتها العسكرية، خاصة ضدّ قطاع غزة. دفعت بسياسة الاغتيال إلى أقصاها؛ وكذلك بسياسة الحصار والعقاب الجماعي، ضدّ الشعب الفلسطيني. حرقت ما يكفي من الوقت، وبما يضمن فوات المدة المتبقية، من دون حل ولا تسوية. الرئيس الفلسطيني وضع واشنطن أكثر من مرة، في الصورة؛ وطالب بإلحاح، بضرورة حمل إسرائيل على الوفاء، على الأقل بالحد الأدنى من التزاماتها.

وبالذات بخصوص المستوطنات ووجوب وقف بناء المزيد منها، لضمان انطلاقة هادفة للمفاوضات. كرر هذا الطلب، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن ولقائه مع الرئيس بوش. لكن من غير طائل. كل ما صدر عن إدارة الرئيس بوش وبلسان الوزيرة رايس، لم يتجاوز عبارة أن «بناء المستوطنات الإسرائيلية لا يساعد»!! وهي جملة ما فتئت واشنطن تردّدها وتتلطّى خلفها، منذ فترة طويلة.

ما من مرة ذهبت إدارة أميركية إلى حدّ إدانة حركة الاستيطان القائم على نهب الأرض؛ خلافاً بل انتهاكاً، لكافة القوانين والمواثيق والاتفاقيات والشرائع الدولية. واشنطن تلف وتدور، حتى لا تسمّي الأمور بأسمائها وتقول، بالتالي، ان المستوطنات غير شرعية. مثل هذا التشخيص، لا مكان له في قاموسها.. علك لنفس المفردات الخاوية.

وكذلك هي الحال بالنسبة للجنة الرباعية، التي باتت بياناتها، ومنها بيانها الأخير، وكأنها نسخة طبق الأصل عن بعضها: المطالبة بقيام دولة فلسطينية، وقف الاستيطان، إزالة الحواجز الإسرائيلية من المناطق الفلسطينية والعمل على تحسين الأوضاع للشعب الفلسطيني. ديباجة صارت محفوظة عن ظهر قلب. لكن من دون ترجمة. حتى لا نقول من دون محاسبة للطرف المسؤول عن الحيلولة دون تحقيق هذه المطالب.

لقد باتت اجتماعات اللجنة باهتة، إلى حدّ أن الوزيرة الإسرائيلية ليفني رفضت مشاركة أعضائها المؤتمر الصحافي، لإعلان بيانهم الختامي؛ لأنها لم تكن راضية عن مطالبة الرباعية لإسرائيل بإزالة الحواجز من الضفة! إلى هذا الحدّ وصل الدلع والاستعلاء الإسرائيليان. وفي هذه الحال على الوزيرة رايس أن تكون صريحة أكثر، إذا كانت الإدارة جادة، في توجيهها لإصبع الملامة.