أنباء متسرّبة من الأرض المحتلة تقول إن إسرائيل تنفذ حملة استيطان واسعة في الجولان السوري المحتل.

الخبر ليس جديداً ولا غريباً على السياسة الإسرائيلية المبنية على عنصري الإرهاب والعدوان من جهة والتوسع الاستعماري على حساب الأرض العربية من جهة ثانية. ‏

تظن إسرائيل أنها إن زرعت آلاف الوحدات الاستيطانية في الجولان والضفة الغربية، ومجمل الأراضي المحتلة من النهر إلى البحر، تعطي مغتصبي هذه الأرض العربية الشرعية، جرعة طمأنينة على أن المشروع الصهيوني صلب وقادر على الاستمرار أبد الدهر. ‏

وتظن إسرائيل أيضاً وهي تتحدث اليوم عن استعدادٍ للانسحاب من الجولان «بشروط!» أن تعزيز الاستيطان في الأراضي السورية الرازحة تحت الاحتلال، سيكون ورقة ضغط تستخدمها في أي مفاوضات محتملة، أو أنها بتوسيع الاستيطان في الجولان ستجبر سورية على التسليم بالأمر الواقع. ‏

بثقة نقول للحالمين الإسرائيليين إنهم أخطؤوا الحساب: فلا سياسات الإرهاب والعدوان والاستيطان قادرة على بث الطمأنينة في قلوب الإسرائيليين، ولا هي تنفع مع سورية في حال حدثت المعجزة وجنحت إسرائيل إلى السلم واستؤنفت المفاوضات. ‏

فالإسرائيلي يشعر بالخوف على مستقبله دائماً، ولا يحسّ بالأمان، مهما امتلكت إسرائيل من وسائل القوة العسكرية، ومهما توسّعت في كل الاتجاهات، ومهما كان الطرف العربي ضعيفاً عسكرياً وسياسياً. ‏

فهذا الإسرائيلي يدرك أنه اغتصب الأرض التي أقام عليها دولة، وأنه زائل مهما امتدت الأعوام، مادام هناك أصحاب أرض وحقّ يناضلون من أجلها. ‏

معروف أن كل إسرائيلي يحمل إضافة إلى جنسيته المفصلة على مقاس الأطماع الصهيونية جنسية بلده الأم، فإسرائيل كيان هجين غريب مكوّن من كل جنسيات الأرض دون استثناء ولا يجمع بين هذه الخلطة العجائبية إلاّ عامل الدين وأحياناً اللغة، إذ لا يزال كثير من الاسرائيليين يتحدثون بلغة بلدهم الأم. ‏

ومحاولات تهويد فلسطين العربية وطمس معالمها وتغيير هويتها من الجولان الى القدس وصولاً إلى حيفا وعكا وغيرها، هذه المحاولات لن تجدي نفعاً، ونذكر الصهاينة الذين استولوا على أراضينا بأن الفرنجة «أي الصليبيين» احتلوا المشرق العربي وأقاموا فيه نحو قرنين من الزمن ثم رحلوا، كما نذكّر هؤلاء الأفّاقين، وقطّاع الطرق، بأن الملك بلدوين الأول احتل القدس ومنع العرب والمسلمين من الإقامة فيها طوال سبعة وثمانين عاماً، لكن بلدوين وكل الملوك والأمراء والجيوش رحلوا، ولم يبق إلا أصحاب الأرض وأصحاب الحق، فهذا منطق التاريخ وترجمة لإرادة الشعوب. ‏

وإسرائيل وهي «تحتفل» بالذكرى الستين لاغتصاب فلسطين تبدو اليوم أكثر خوفاً على مستقبلها ووجودها من الفرنجة الذين طردهم شعبنا من أرضنا بعد احتلال طويل. ‏

ولن يجدي نفعا أيضاًً المشروع الأميركي المساند للمشروع الصهيوني والمستنسخ عنه في تغيير مسار التاريخ ومحاولة شطب هوية المنطقة العربية، وتحويلها إلى منطقة شرق ـ أوسطية تضم دولاً هشّة صغيرة، ودويلات وكانتونات قائمة على أساس الدين والمذهب والعرق. ‏

يريدون تعميم «التجربة الإسرائيلية» على المنطقة كي لا تبقى إسرائيل «الدولة» الوحيدة القائمة على أساس ديني بحت، وبالتالي تسيطر هذه الإسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً على المنطقة العربية، وتعطي جرعة من أمل وطمأنينة للإسرائيليين على مستقبلهم المرهون للأقدار، وللإرادة العربية المقاومة، التي ستنهض ذات يوم مهما طال الزمن. ‏

أما إذا كانت إسرائيل تريد من خلال تكثيف الاستيطان في الجولان السوري المحتل، ابتزاز سورية ومساومتها على أرضها وحقوقها في أي مفاوضات مستقبلية، فإن الإسرائيليين يعرفون تمام المعرفة أن سورية صلبة ولا تهادن ولا تساوم ولا تقبل إلا بكل الأرض وكامل الحقوق دون نقصان. ‏

لكن في المحصلة النهائية سيفرض منطق الحق نفسه، ولن تكون الكلمة إلا للشعوب الصامدة والمناضلة من أجل استعادة حقوقها وأرضها وحريتها، وستنزاح هذه السحابة السوداء عن سمائنا العربية إن لم يكن غداً فبعد غد، مهما كانت المؤامرات وتعددت الاتفاقيات والصفقات و... التنازلات. ‏