«هارفي ترومان» شخصية وهمية من نسج الخيال، ولكنها في الواقع تمارس حضورها كشخصية رمزية تختصر كل الوجوه والحالات والمراحل التي تمثل الإنسان الأميركي الجديد، أو الجيل المعدل أخلاقياً وفكرياً وجينياً والمهيّأ للتعامل مع معطيات المستقبل.

هذه الشخصية المؤثرة والمثيرة في آن واحد ظهرت في أزمنة متفاوتة على المشهد الاجتماعي في بلاد الشرق التي لم تكن تعني لـ «ترومان» أكثر من تاريخ عريق وثراء فاحش وتخلّف حضاري يثير السخرية؛ ويبدو من المصادر المتاحة أن ظهور هذه الشخصية بدأ من ثلاثينات القرن الماضي، عندما تطوعت أدوات الإعلام الجديدة لمغامرة عملية التقديم المحفوفة بالفشل، إلا أن تلك الشخصية المريبة ما لبثت إلا قليلاً حتى استفحلت كرمز للإثارة والتجدد في نفوس الشرقيين مع غياب شفق السبعينات.

خلال هذه الحقبة من الزمن تمكن «هارفي ترومان» بنجاح منقطع النظير من أن ينقل مخيلة أهل هذه البلاد من صدمة الاستغراب إلى مشاعر التقبّل لكل وجوهه وحالاته ومراحله، وهو يمارس حياته الشخصية باستقلالية وفردية، أو وهو يجاهر بقناعاته بوقاحة عندما يهين أباه ويسخر من أفكاره وتصرفاته أو يرفع حذاءه في وجه معلمه أو يشتم رئيسه في العمل بكلمات نابية، أو وهو يهزأ بكل قيم مجتمعه الدينية والاجتماعية، أو وهو يسعى إلى المال أو إلى أي من مآربه بحكم ماديته وأنانيته بكل الوسائل الأخلاقية واللا أخلاقية، أو وهو يقارف المتعة ببهيمية، أو وهو يرتكب الجريمة بتبلد ومشاعر جليدية.

الإطار الذي ظهر فيه «هارفي ترومان» كانت له خلفية مكملة للصورة، تظهر في الجزء الأول منها «راكيل» أو النسخة المؤنثة التي أبدعت في تقديم شخصية المرأة الأميركية بكل وجوهها وحالاتها ومراحلها، وكانت على شاكلة صاحبها تزدري أمها، وتلهث وراء نزواتها بإباحية مفرطة، وتختلط بالرجال من صبيحة يومها إلى ما قبل شروق شمس اليوم التالي، وكأن بلادها المترامية الأطراف ليس بها إلا الرجال وحفنة من النساء اللواتي لا يظهرن إلا كساقطات أو ليس لهن حيوات أو علاقات أسرية طبيعية، أو على رأي المثل المصري: «مقطوعين من شجرة».

في الجزء الثاني من خلفية الإطار، تتكدس أشياء أخرى مثيرة لفضول الأجيال الجديدة من الشرقيين واهتماماتهم بخلاف سلوكيات «هارفي» وصاحبته، إنها أشياء تغري لأن تكون جزءاً من الشخصية أو بالأصح جزءاً من الممارسات اليومية؛ هناك مثلاً اللغة التي يتحدث بها الشابان الأميركيان بسلاسة وحيوية، وأجواء الصخب والإثارة التي تعبئ ساعات يومهما، والحرية التي يتحركان بها بلا ضوابط ولا مقيدات أسرية أو اجتماعية أو خرافية كالعار أو الفضيحة، وهناك أيضا الأزياء المدهشة والسلوكيات الغذائية وأساليب اللهو والمتعة المنفلتة من أغلال الحرام والعيب وغير اللائق، وكلها كانت شديدة الجاذبية ومغرية بما فيه الكفاية للاندفاع بلا وعي أو تروّ إلى خوض تجربة التقليد والمحاكاة.

في خلفية الصورة، كان هناك أيضا جزء باهت جدا لا يكاد يُرى بالعين المجردة، ولهذا لم يأبه له الكثير من الشرقيين، بل ظن الجميع أنها مجرد ظلال أو خربشات أو خطوط لا تحمل قيمة معنوية أو رمزية.

ومع أن مغامرة التقليد والمحاكاة بدأت خجولة في ستينات القرن السابق، إلا أن الصبر الشديد الذي أبداه «هارفي وراكيل» والإصرار والحنكة في نقل الصورة بكل حذافيرها، أظهرا النتائج شبه الكاملة بنهاية التسعينات؛ فتقمص الجيل الشرقي الجديد كل وجوه «هارفي وراكيل» وحالاتهما ومراحلهما إلى درجة التلاشي، وتخلى المجتمع الشرقي المحافظ طائعا راضيا عن كل تقاليده وعاداته ومعتقداته التي توارثتها أجياله السابقة وأفنت حياتها للمحافظة عليها آلاف السنين، حتى غدت الضوابط والقيود الأسرية والاجتماعية شيئا من خرافة الماضي الغابر، وأضحى العِرض والشرف الرفيع الذي طالما أريقت على جوانبه الدماء حتى يظل سالما من مجرد الأذى، يباع ويشترى بالشهرة والمنصب والدينار؛ واقتُحم محراب المرأة حتى تحولت إلى رجل ولكن بأعضاء أنثوية، وغدت نسخة مكررة من «راكيل»؛ وأصبح البيت فندقا يأوي إليه أفراد لا رباط بينهم إلا سجل الهوية، وتفتت الأُسر الكبيرة إلى أشباح ترتبط وتجتمع وتفترق ولكن بالعناصر التي تألفها في الأسواق وفي أماكن العمل أو اللهو، أكثر مما ترتبط وتجتمع وتفترق بأعضائها الذين ترتبط بهم بوشيجة الدم والرحم والقربى.

ولأنه مازالت هناك مساحة صغيرة من الزمن، فإن المجتمع الشرقي بين آخذٍ أهبته تماما أو جادّ في تهيئة نفسه لِيَلوك رطانة هارفي وراكيل التي ينطقان بها بحيوية مثيرة للغيرة، وليستبدل أسماء السياسيين والممثلين والمغنّين والرياضيين الأميركان بأسماء كل الأنبياء والعلماء والأبطال والمبدعين من ذاكرة الجيل القديم قبل الجديد، حتى يصبح تاريخ أميركا ورموزه وتداعياته جزءا من تاريخ الشرق وتراثه وهويته، وليزيح بلا هوادة ولا تردد ثقافته ونظرته المميزة إلى الحياة ليراها بعيني «هارفي وراكيل».

المفاجأة الحقيقية تفجرت عندما بدأ جيل الشرقيين الجديد في شد الرحال إلى موطن «هارفي وراكيل» الذي طالما هفت نفسه إليه، لينصهر بروحه ووجدانه في أنهار البشر والآلات والقيم المكتنزة بالحداثة؛ وعندما وطئت قدماه عالم أحلامه، هنالك فقط شاهد بعينيه الصورة المرتسمة في خياله على الواقع، مع فارق أن الظلال والخربشات التي كانت موجودة في خلفية الصورة التي ظهر فيها «هارفي ترومان» ولم يحاول أن يوضحها لأحد بل ربما تعمد طمسها أو مغالطتهم حيالها كانت هي الأصل، وأنه هو و«راكيل» كانا مجرد ظلال وخربشات لا يشغلان إلا جزءا صغيرا من الصورة.

ومع ذلك فإن قلة قليلة فقط من الشرقيين هي التي استعادت ذاكرتها واتزانها وتحررت من ربقة الصورة القديمة لتدرك حينها وحينها فقط كم كانت صورة «هارفي وراكيل» وأشياؤهما قبيحة وبائسة، ولترى على الواقع أن ظلال تلك الصورة وخربشاتها كانت هي معالم الحضارة التي جاء منها «هارفي»، واكتشفت أن لها وجها آخر جميلا غير وجهها القبيح.

وأن لها خطوطا في غاية الأناقة ترسم مكانة العلم والمعرفة كقاعدة لبناء القدرات والمقومات الحضارية والإبداع والابتكار للحاضر ولما وراء الغد، وترسم مكانة التخطيط والتنظيم كحاجة لتوجيه حركة التطور والنمو، وترسم مكانة العمل الدؤوب كأهمية للإنتاج والبناء.

وترسم مكانة المال كأداة لمزيد من الرفاهية والاكتفاء واستثمار الفرص، وترسم مكانة الوقت كقيمة للوصول إلى أبعد الغايات من أقصر الطرق، وترسم مكانة الإنسان كقطب تبدأ الحضارة منه وتنتهي إليه.

كاتب إماراتي