ها هنا تعليق السيناتور إيفا باي على العاصفة السياسية التي أحاطت بتعليقات المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية السيناتور باراك أوباما بشأن الناخبين المنهكين اقتصاديا في البلدات الصغيرة: «اليمين المتطرف لديه سجل ممتد في استخدام مثل هذه الأشياء للنيل من مرشحينا سواء آل غور أو جون كيري. ولدى تخوف من أن يؤدي ما يفعلونه إلى الإضرار بباراك».

منْ هم هؤلاء المقصودون بتصريحات باي؟ إن الذين يهاجمون الديمقراطيين بمثل تلك التعليقات ليسوا من اليمين المتطرف، وإنما من يستخدمها هم أنصار المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون نفسها التي تلجأ إلى الحيل والأكاذيب والإهانات والأكليشيهات المدمرة التي طالما استخدمها أشخاص من أمثال كارل روف و لي أتواتر.

السؤال الذي يطرح نفسه هو أنه في حالة نجاح كلينتون ما هو الحزب الذي سيبقى أمامها لتقوده. إنها تقوم بإحراق القرية كي تنقذها. غير أن القرية لن يجري إنقاذها، إذ لن يتبقى منها سوى منزل واحد يتسع لشخصين فقط: هي وبيل.

إن سخرية كلينتون من تصريحات أوباما تتفق مع الطريقة التي تبني عليها حملتها. ففيما يتعلق بالسياسة الخارجية لم نتلق منها سوى تصريحات هجومية تفيد أنه لا يوجد في الحزب الديمقراطي من يمكن الاعتماد عليه في قضية الأمن القومي سوى هي، وأن أوباما ليست لديه الأدوات التي تمكنه من أن يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة. والآن انتقلت للهجوم على السياسة الداخلية، وذلك بلي كلمات أوباما وتغيير معناها بشكل يؤكد الرسوم الكاريكاتورية الديماجوجية التي يطلقها اليمينيون ضد الحزب الذي تنتمي إليه.

صحيح، كما اعترف هو شخصيا بذلك، فإنه كان بإمكان أوباما اختيار كلماته بشكل أفضل وأذكى. فربما كان يمكنه قول ما ردده بيل كلينتون في حملته عام 1992 عندما استخدم وصف «الرجال البيض غير الآمنين اقتصاديا والذين يكادون يموتون خوفا وذعرا».

هناك ما يمكن وصفه ببند شرف يتضمنه دستور الحزب الديمقراطي يسير عليه الناخبون خلال الأعوام العشرين الماضية تفيد أنه عندما تقوم مدينة صغيرة ذات رجال بيض من الطبقة المتوسطة بالتصويت لمصلحة الحزب الجمهوري فإنهم يصوتون في الواقع ضد مصلحتهم الاقتصادية. لماذا يقومون بهذا؟

لأنه يحدث كل أربع سنوات أن يأتي ممثلون من الحزب الجمهوري إلى تلك البلدات الصغيرة ليشغلوا سكانها عن آلامهم الاقتصادية ويتحدثوا إليهم عن مشكلات اجتماعية ساخنة. فالحزب الجمهوري يقول لهم: «دعونا لا نتحدث عن السبب في عدم وجود فرص عمل ولا تأمين صحيا ولا عن أنكم لا تستطيعون تأمين أماكن لأطفالكم في المدارس، دعونا نتحدث عن زواج المثليين والهجرة غير الشرعية». إن هيلاري كلينتون في واقع الأمر تلتزم في هذا الصدد بالخط الذي يتبعه الجمهوريون.

فمن الممكن للغاية أن يقضي جون ماكين الأشهر الستة المقبلة في إجازة مطمئنا إلى أن كلينتون تؤدي الحملة بالنيابة عنه.

مؤخرا حاولت كلينتون أن تلعب دور الرجل الأبيض الجنوبي المتواضع المحافظ الذي يحافظ على ولائه لمجموعته التي ينتمي إليها بعكس أوباما التي حاولت أن تصوره بأنه من الطبقة النخبوية. ففي إحدى حملاتها قالت الآتي: «هل تعرفون أن والدي كان يعتاد اصطحابي وأنا صغيرة وراء كوخ كان قد بناه جدي على ضفاف بحيرة صغيرة كانت تعرف باسم ليك وينولا خارج حدود سكرانتون، حيث كان يعلمني كيفية استخدام البندقية عندما كنت لا أزال فتاة صغيرة». ثم بعد أن قالت هذه العبارة عرضت صورا لأوباما وهو يمارس رياضة ركوب الأمواج.

غير أنه قبل أن تنطلق كلينتون لاصطياد مزيد من البط ببندقيتها، أوضح أندرو سوليفان أن استطلاعا أظهر أنه من بين الولايات العشر الأكثر امتلاكا للبنادق في الولايات المتحدة فقد فاز أوباما بست منها في حين فازت هي بواحدة فقط. فلنتذكر هذا الأمر.

غير أن الأمر هنا بالطبع ليست له علاقة بدين أو بامتلاك بنادق أو خوف من الأجانب. فالأمر كما يوضح دافيد أكسيلرود يتعلق بالمرارة (اعذروني على التعبير) وعدم الثقة التي يعانيهما الناخبون الذين ملوا من هؤلاء «الساسة الذين يأتون كل انتخابات ويعربون عن قلقهم وشعورهم بشفقة لا تستمر بعد الانتخابات لأنها ليست سوى تكتيكات انتخابية محضة»، على حد تعبيره.

إن استخدام المرشحين الديمقراطيين لمثل هذه الشعارات التي ينطلق منها الحزب الجمهوري هي التي أوجدت هذه الهوة بين الديمقراطيين وكثير من الناخبين في البلدات الصغيرة. فكارل روف الذي كرس حياته لجعل الناس يشعرون بوجود هذه الفجوة لا يمكنه رسمها أفضل مما تفعل كلينتون الآن.

وفي حال نجاح تكتيكات كلينتون المستوحاة من فلسفة كارل روف ـ ليس في هزيمة أوباما وإنما في جعله فريسة سهلة أمام ماكين ـ فإن الثمن سيدفعه الأميركيون في المدن الصغيرة الذين تخدعهم هي الآن. فالأميركيون الذين يعانون بالفعل من نسيان الدولة لمعاناتهم الاقتصادية بسبب الأساليب الجمهورية التي تمارسها هي الآن، سيعاقبون بسنوات أكثر وأكثر من التدني الاقتصادي.

كاتبة أميركية