يبدو أننا أمام موسم جديد وغير مسبوق لخلط كل الأوراق في المنطقة. وإذا كان البعض يري فيما يحدث تراجعاً أميركياً أو إطلاقاً لعملية تهدئه، أو فتحاً لأبواب جديدة نحو سلام غائب في المنطقة.. فإن ذلك كله ينبغي ألا يلغي الاحتمال الآخر، وهو أن خلط الأوراق قد يكون المقدمة المطلوبة لحرب يتم الإعداد لها، أو تفرضها تداعيات الأحداث أو الحسابات الخاطئة من أطراف الصراع.

على الجبهة الفلسطينية.. كان أبومازن الذي ظل حريصاً طوال الشهور الماضية على ارتداء ثوب التفاؤل بالوصول إلى اتفاق ينهي الصراع مع العدو الإسرائيلي ويقيم الدولة الفلسطينية قبل نهاية هذا العام وفقاً لـ «رؤية» الرئيس الأميركي.. يخرج من البيت الأبيض بعد لقائه بالرئيس صاحب الرؤية وقد فقد تفاؤله الذي لم يكن له ما يبرره من الأساس، بعد أن سمع من بوش أنه مصمم على التوصل قبل نهاية ولايته إلى اتفاق حول «تعريف» الدولة الفلسطينية.. هكذا أصبح الهدف هو مجرد «تعريف» الدولة لا قيامها!!.

على الجانب الآخر كانت «حماس» تعلن موافقتها على التهدئة في غزة دون ربطها بالضفة كما كان موقفها من قبل في مسعى منها لرفع الحصار وفتح المعابر تمشياً مع الجهود المصرية التي سارعت السلطة الفلسطينية بإعلان تأييدها لها، وسط المخاوف من تكريس وضع يتأكد فيه الانفصال بين الضفة وغزة.

وبينما كانت الأوضاع على الجبهة الفلسطينية تؤكد ما قلناه وقاله غيرنا عن عملية أنابوليس التي ولدت ميتة، ولم تكن تهدف إلا لشراء الوقت وبيع الوهم لتحالف المعتدلين العرب، كانت التطورات على الجبهة السورية تتوالى بعد الإعلان عن عرض إسرائيل الانسحاب من الجولان مقابل السلام مع دمشق وتواصل الوساطة التركية لبدء التفاوض على مستوى منخفض لاستكشاف حقيقة العرض الإسرائيلي.

ومع الإعلان عن تقدم الوساطة التركية في الملف السوري ـ الإسرائيلي ، كانت الولايات المتحدة تفجر لغماً في الطريق بإعلان أن المبنى الذي دمرته إسرائيل في غارة جوية على دير الزور في سبتمبر الماضي كان مفاعلاً ذرياً سريا كانت سوريا تقيمه بمساعدة كوريا الشمالية وهو ما نفته سوريا وما شكك فيه خبراء دوليون.

و في لبنان.. ورغم أن دعوة الرئيس بري لاستئناف الحوار توفر نقطة انطلاق جديدة نحو الحل المطلوب، فإن الموقف الأميركي مازال متمسكا بإبقاء الأزمة وتصعيد الموقف الذي وصل بالوعيد الرسمي الأخير بصيف ساخن على لبنان أن ينتظره !

و الرئيس الأميركي قادم إلى المنطقة بعد أيام ليشارك إسرائيل الاحتفال بمرور ستين عاما على قيامها، وليقدم للعرب العزاء الكاذب في مسيرة أنابوليس التي كان الكل يعرف فشلها منذ البداية. وبعد إلغاء ما كان يخطط له من تظاهرة كاذبة يجمع فيها إسرائيل مع الفلسطينيين والعرب في شرم الشيخ للإيحاء بأن «رؤيته» حول حل الدولتين قادمة في الطريق، وذلك بعد «نصائح» عربية نقلها وزير الخارجية المصري ثم ملك الأردن بعدم جدوى ذلك إذا لم تكن هناك خطوات أساسية سيتم الإعلان عنها.

ويأتي الرئيس الأميركي وسط موجة من تصاعد التهديدات الأميركية لسوريا، ووسط الحديث الأميركي عن صيف ساخن سينتظر لبنان والمنطقة.. وفي الظاهر يبدو هذا متناقضاً مع الإعلان عن استعداد إسرائيل لإعادة الجولان لسوريا مقابل اتفاق سلام لكن الحقيقة أننا حتى في موسم خلط الأوراق لا يمكن أن نتصور تناقضاً أساسياً بين إسرائيل والولايات المتحدة تجاه العرب.

ونحن أمام احتمالين: إما أن التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي يرى أن هناك فرصة للحصول على أقصى ما يمكن من تنازلات سورية تبعدها عن إيران وتجعلها تضبط حركة حزب الله والمنظمات الفلسطينية مقابل استعادة الجولان (وهو أمر لا اعتقد أن دمشق مهيأة لقبوله) وإما أن الساحة تعد لما هو اخطر، وأن خلط الأوراق هو جزء من تمهيد الطريق لحرب تراها الإدارة الأميركية طريقاً وحيداً للخلاص من ورطتها في المنطقة.

ووسط هذه التطورات المتلاحقة والأخطار المحيطة بالمنطقة تبدو الحالة العربية الرسمية مستعصية على الفهم وتظل الأسئلة البديهية بلا إجابة لأننا لم نعد نأمل في إجابة على أسئلة تقول: أليس هذا وقت المصالحة العربية بعد أن أصبح الكل في وجه الخطر؟

وبأي ضمير تقبل القيادات الفلسطينية هذا التلاعب بمصير الشعب الفلسطيني من اجل سلطة هنا وإمارة هناك؟ وأليس هذا هو الوقت المناسب لإعلان عربي وعلى أعلى مستوى بأن المبادرة العربية هي آخر ما عندنا، والحل الشامل هو الحل الوحيد الذي يلتزم به الجميع، بدلاً من الجري وراء أوهام الحلول الجزئية والمسارات المتعددة حتى بين الفلسطينيين لأنفسهم؟

حتى الأسئلة لم يعد مجدياً طرحها، فدعونا نكفن الأطفال من ضحايا النازيين الجدد، وننتظر زيارة الرئيس الأميركي ليحتفل مع الإسرائيليين ويشاركنا العزاء ليس في شهدائنا بالطبع بل في أوهامه نحو السلام، ودعونا ننتظر أي عاصمة عربية جديدة ستفتح ذراعيها لوزيرة الخارجية الإسرائيلية وتلقاها بالترحاب وهي تطالبنا بمساندة إسرائيل ضد الإرهاب (!!) الفلسطيني، ثم دعونا ننتظر أين تقودنا عملية خلط الأوراق التي تجري حولنا، لأننا ـ في ظل حالة الانقسام العربي المؤسفة- لم نعد نملك إلا الانتظار !!

صحافي مصري