القاعدة الذهبية القانونية الأزلية تقول: المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته.. لكن المحاكم الأميركية التي شكلت لمحاكمة المعتقلين في معسكر غوانتانامو تتبنى قاعدة مختلفة وهي: المتهم مدان حتى لو ثبتت براءته، ومن العجيب أن يدور الزمن دورته فنرى الولايات المتحدة ـ «الديمقراطية الأكبر والأعظم» في هذا العصر تستورد من العالم الثالث نموذج محاكم أمن الدولة ـ أحد رموز التخلف الحضاري، وكحال محاكم أمن الدولة في الدول الاستبدادية المتخلفة فإن قضاة محاكم غوانتانامو الأميركية عسكريون يباشرون محاكمة مدنيين وفق قوانين استثنائية، وليس هذا وجه الشبه الوحيد، فالأحكام على المتهمين جاهزة قبل أن تبدأ مجريات المحاكمة، وهي أحكام تقوم بالضرورة على إدانة مسبقة.

هذا الأسبوع واتت الشجاعة أحد المدعين العامين لفضح أمر محاكم غوانتانامو. فقد تحدث العقيد موريس ديفيز عن ضغوط سياسية وعن قبول القضاة العسكريين أدلة ضد المتهمين انتزعت في سياق عمليات تعذيب.

وقال العقيد في هذا الصدد إن مسؤولين كباراً في إدارة بوش طلبوا منه تسريع المحاكمات لأسباب سياسية، وقال بصورة محددة إن نائب وزير الدفاع الأميركي ومسؤولين آخرين في الوزارة قالوا له إن إدانة معتقلين ذوي أهمية قبل نهاية عهد ولاية الرئيس بوش هذا العام «ستكون خطوة لها قيمة سياسية إستراتيجية» ـ أي أن بوش يريد أن يختم ولايته بإنجاز قضائي في سياق «الحرب على الإرهاب».. وبأي ثمن حتى لو كان على حساب إدانة أبرياء، وينقل ديفيز عن أحد القضاة العسكريين قوله: «لا يمكن تبرئة أي متهم. لقد احتجزنا هؤلاء الأشخاص لسنوات.. فكيف يمكننا تبرئتهم؟ لابد من إصدار إدانات»!

كأن العقيد ديفيز قد استقال من منصبه العام الماضي.. وإلا لما كان له أن يتكلم بمثل هذه الصراحة الشجاعة. وفي شرحه للمأزق المهني الذي وجد نفسه فيه قبل الاستقالة تساءل هذا المدعي العام السابق قائلاً: كيف يمكن أن يطلب من مدعٍ تقديم أدلة انتزعت تحت التعذيب دون أن يشعر أنه أصبح أمام معضلة أخلاقية؟ لقد شكلت المحاكم العسكرية الأميركية وفقاً لأمر من السلطة التنفيذية صدر عن الرئيس بوش أي خارج الإطار القضائي المستقل.

وقد أصدرت المحكمة العليا الأميركية بدورها قراراً يعتبر هذه المحاكم العسكرية الاستثنائية غير صالحة دستورياً وأن الرئيس بوش تجاوز في هذه الحالة صلاحيته. مع ذلك بقي قرار المحكمة العليا حبراً على ورق، وهكذا تبرهن الولايات المتحدة عملياً، وبإصرار، أنه لا فرق بينها وبين دول العالم الثالث في نسف مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء. محاكم أمن الدول في العالم الثالث هي بالضرورة أداة سياسية في يد السلطة الحاكمة.

وتلجأ إليها السلطة كلما أرادت أن تبطش بسياسي أو عدد من السياسيين من المعارضة دون أن يكون لديها ـ أي السلطة ـ أي مسوغ شرعي.

ولذا ندرك لماذا ينص قانون تشكيل مثل هذه المحاكم على أن أحكامها غير قابلة للاستئناف. كيف إذن تقتدي الولايات المتحدة بهذا النموذج بينما تحاضر العالم الثالث ليل نهار عن ضرورة نشر الديمقراطية والقيم الداعية إلى صون حقوق الإنسان.