على كثرة القرارات ومقررات الشرعية الدولية التي تتخذ من العدالة عنواناً والحق شعاراً، إلا أن القضايا العربية المطروحة على المحافل الأممية منذ منتصف القرن الماضي لم ينلها من تلك العدالة المفترضة نصيب، بل على العكس لم تعرف سوى أبشع صور الاستهانة بقيم العدل والحق، وفي المرات النادرة التي انتصرت لها الأغلبية بقي هذا الانتصار وهمياً، مجرد «حبر على ورق» تحت ضغط سطوة حق النقض (الفيتو) الذي لا يعرف سوى القوة الغاشمة على أرض الواقع.
وأحدث صور غياب العدالة الدولية عن ساحة القضايا العربية ما صدر عن اللجنة الرباعية الدولية أمس في اجتماعها في العاصمة البريطانية لندن، من انتقاد للدول العربية لعدم وفائها بتعهداتها المالية لمساعدة الشعب الفلسطيني، وتجاهل إدانة الحصار الإسرائيلي الخانق، الذي يمنع وصول المساعدات العربية، حتى يشتد الخناق لقتل الشعب الفلسطيني جماعياً جوعاً.
ويجسد بيان اللجنة الرباعية صورة نموذجية للخداع والتضليل وازدواجية المعايير، فبدلاً من إزالة السبب الرئيسي للأزمة يتم إغراقنا في التفاصيل الفرعية بهدف إبراء ذمة قوات الاحتلال الإسرائيلي من جريمة الحصار، الذي يدخل ضمن أساليب جرائم الإبادة والحرب، والتغطية على تلك الجرائم الإسرائيلية بتوجيه انتقادات لدول عربية تحت ذريعة أنها لم تف بتعهداتها لمساعدة الشعب الفلسطيني، فأي عدالة تلك التي تتجاهل الجرم الخطير وتنتقد من منعه جرم إسرائيل وحصارها عن إيصال مساعداته لأشقائه المحاصرين؟
وغياب العدالة الدولية جسدته اللجنة الرباعية بتبنيها لتصريحات أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قبل الاجتماع وكأنها ترسم خريطة طريق للهروب من استحقاق العدل والحق وإدانة إسرائيل وجيشها الذي لا تتوقف جرائمه عند حد اغتيال الفلسطينيين وحصارهم واعتقالهم بل وقتلهم جماعياً بالتغطية بعبارات رنانة عن انتقاد المقصرين في مساعدة الشعب الفلسطيني من أشقائه العرب، حتى يختلط الأمر ويتحمل العرب جرم إسرائيل، وتسكت أفواههم عن الكلام والمطالبة برفع الحصار عن غزة، وتبقى يد إسرائيل طليقة في ارتكاب المزيد من الجرائم. المثير للدهشة التطابق بين تصريحات بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ورايس التي اتهمت دولاً عربية بعدم الوفاء بتعهداتها في مؤتمر باريس لدعم الشعب الفلسطيني.
ولم يجد نداء المنظمات غير الحكومية البريطانية أذاناً صاغية من المشاركين في اجتماع لندن الرباعي بشأن ممارسة الضغط على إسرائيل لرفع الحصار عن قطاع غزة.
ففي بيان، دعت هذه المنظمات «أعضاء اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة) إلى وقف المجاملة عبر ممارسة أشد الضغوط الدبلوماسية على الحكومة الإسرائيلية». ما لم تلتفت اللجنة الرباعية إلى التحذير من أزمة إنسانية وشيكة، حيث إن الحصار المضروب على الحدود مع غزة يجعل حياة الناس لا تطاق ومن عمل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى مستحيلاً تماماً.
ومن باب إبراء الذمة الدولية اكتفت اللجنة الرباعية بتوجيه الدعوة إلى إسرائيل إلى تجميد بناء مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية. وهو ما سبق أن صرحت به أيضاً الوزيرة رايس. وهي مجرد دعوة ستجد كسابقاتها طريقها إلى مهملات التاريخ ولن تطبق على أرض واقع تمتلكه قوة الاحتلال الغاشم المدعوم دولياً، تحت ستار المساواة بين الجلاد والضحية.
والحاصل أننا نحن العرب لم نتعلم أبداً من دروس العدالة الدولية الغائبة عن منطقتنا منذ ستين عاماً على ضياع فلسطين في نكبة اغتصاب أرضها بيد عصابات صهيونية وتحت بصر دولي لا يرى مكاناً في عالمنا للحق بل للقوة. ويفسر هذا إغراقنا في دوامة مفاوضات ووعود عبثية لم تسفر أخيراً سوى عن أن حل الصراع في رأي الرئيس الأميركي جورج بوش لن يكون إلا بتعريف مفهوم الدولة الفلسطينية الموعودة، في حين تتمدد المستوطنات وتقضم الأراضي العربية وتطمس الهوية بطرق تصادر أي إمكانية لقيام تلك الدولة.
