هل يتخيل أحد أن نبقى إلى اليوم في متاهة 11 سبتمبر؟
عندما وقعت جريمة الحادي عشر من سبتمبر بدأ العقل المسلم مشوشا لأقصى درجة، وما بقي بعد ردود الفعل الأولى أكوام من الكتابات الصاخبة بلاغيا التي بذل أصحابها جهدا خارقا ـ ذهب سدى طبعا ـ لتفنيد مقولة أن هذه الأحداث علامة فارقة بحيث يمكن القول إن عالم ما بعدها مختلف عن عالم ما قبلها. وهربا من التقييم الشرعي والأخلاقي للجريمة غرقنا في كتابات انطمست فيها على نحو مدهش الخطوط الفاصلة بين التفسير والتبرير والتسويغ والتحبيذ، وأحيانا الترقيع، فاختلط الحابل بالنابل.
لكن الرسالة الصوتية التي أذيعت قبل أيام لأيمن الظواهري يجيب عن أسئلة تلقاها موقع إلكتروني مقرب من القاعدة نكأ الجرح مرة أخرى، والرسالة في الحقيقة نموذج لحالة المتاهة التي ما زال العقل المسلم يتخبط فيها منذ هذه الأحداث، ولنتأمل الحقائق التالية:
ـ بعد الجريمة مباشرة أسامة بن لادن تبرأ علنا من العملية ونشر بيانا خطيا بذلك في وسائل إعلام عربية.
ـ كاتب مصري كبير جدا كتب مقالا شهيرا بعد الحادث مباشرة يؤكد أن العملية رد صربي على الضربة الأطلسية لبلادهم عام 1999.
ـ تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن كشف لأول مرة عن شرائط فيديو لبعض منفذي العملية.
ـ الفرنسي تيري ميسان أصدر كتابه «الخدعة الرهيبة» ليكشف أن أميركا خدعت العالم ولم تعلن حقيقة ما حدث، وكان العرب والمسلمون الأكثر احتفاء بالكتاب رغم تهافته الواضح.
ـ تنظيم القاعدة يطلق على العملية «غزوة مانهاتن» ويتوعد الأميركيين والأوروبيين بالمزيد منها.
ـ وكالة أنباء رسمية عربية تنشر تقريرا مفبركا عن غياب 4000 موظف يهودي يعملون في مركز التجارة العالمي، دون أن ينتبه أحد إلى أن السر كما يقول المثل العربي: «إذا جاوز اثنين فشا» فكيف بقي سرا بعد أن عرفه 4000؟!
ـ محللون وكتاب لا يحصيهم عد يشككون حتى الآن في حقيقة أن العملية دبرها ونفذها تنظيم القاعدة.
لكن الجديد في رسالة الدكتور أيمن الظواهري هو الانتقال من الجدل حول من تبرئة القاعدة من «عبء» المسؤولية إلى الصراع مع أطراف أخرى للانفراد بـ «شرف الغزوة»!!
الدكتور أيمن ركز في رسالته على نفي أي دور لعماد مغنية فقد نفى أن يكون قد التقى بالقيادي العسكري السابق في حزب الله، عماد مغنية، وانتقد تلفزيون «المنار» التابع للحزب، بدعوى ترويجه فرضية أن إسرائيل نفذت هجمات 11 سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة. وقال إن هذه «الشبهة» هي «قول بلا دليلٍ»، وأن الهدف منه «حتى لا يكون لأهل السنة أبطال يضربون أميركا كما لم يحدث في تاريخها. وقال إن هذه المواقف «تلقفتها وسائلُ الإعلام الإيرانية»، معتبراً أن غرض إيران واضحٌ، وهو «التغطية على تواطئها مع أميركا في غزو ديار المسلمين في أفغانستان والعراق، وأعاد التأكيد أن الهجمات كانت من تنفيذ «القاعدة».
ولا شك في أنه من السخف الشديد أن تتحول هذه الجريمة إلى موضوع لسجال من هذا النوع يتجاهل الموقف الأخلاقي والتكييف الشرعي والتداعيات السياسية لسفك دماء الأبرياء على هذا النحو المترخص ليحبس أصحابه أنفسهم في خندق التمترس المذهبي. وهذا النزوع الغريب نحو إخضاع حادث بهذا الحجم لتدقيق جنائي يقوم به من خبرة له بالتحقيق الجنائي على الإطلاق ودون أن تتوفر له الحقائق الكافية التي تنفي أو تؤكد صحة الوقائع أو نسبتها لأصحابها.
وهذا التبادل بين «التحقيق» و«التحليل» هو علة من أسوأ العلل التي أصابت العقل المسلم المعاصر، فبدلا من البحث عن دلالات الحادث وعبرها ودروسها يغرق المتجادلون في مماحكات تظلم ولا تنير. وقديما أشار علماء التفسير إلى مخاطر الفضول والغرام بالتفاصيل على حساب المعاني والدلالات والعبر، فبدلا من الاتعاظ بالتحذير الشديد في القرآن من اتباع إبليس هناك من يشغله أن يعرف اسم زوجة إبليس، وبدلا من تقدير العظمة والقدرة التي ينطوي عليهما وصف القرآن للنملة التي حذرت إخوانها من أن يقتلوا تحت سنابك خيل سليمان عليه السلام وجنوده، نجد هناك من ينشغل بالبحث عن المكان الذي يوجد فيه وادي النمل.
وبدلا من الانشغال بالمعنى العميق لأن يمن الله سبحانه وتعالى على عبده ونبيه، نبي الله موسى عليه السلام بأن يكلمه فيكون «الكليم» نجد البعض يتوقف أمام ما رواه القرآن في هذا الحوار الخالد عن عصا موسى تاركا الدلالة ومتشبثا بالتساؤل الأبله عن لون هذه العصا والشجرة التي اقتطعت منها.
وهذه الأمثلة وغيرها كنت أظن أنني لن أصادفها خارج كتب التراث فإذا بها تعود للحياة وتحتل واجهة المشهد الثقافي وتزحف لتحتل مساحة واسعة من عقل الأمة المسلمة. إن الجدل الدائر حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر عربيا وإسلاميا يشبه هذه الفضول الأبله من وجوه كثيرة، فتنظيم القاعدة لا ينفي مسؤوليته عن الجريمة بل يرفض أية محاولة لأن ينازعه هذا الشرف أحد، لكن من يتطوع بالنفي وباختراع ما يؤكد هذا النفي.
أما عبرة الحدث فغائبة وأحيانا غائمة. الحادي عشر من سبتمبر تحول ـ أو يكاد ـ إلى متاهة وقد خرج منها الأميركيون برؤية هم يعتقدون بصحتها وبناء على هذه الرؤية أطاحوا نظامين حاكمين ويهددون بالمزيد أما نحن فواقفون نراوح في مكاننا وقد وقعنا فريسة مثقفين مغرمين باستعراض قدراتهم البلاغية وغير مهتمين إلا بقدر ضئيل جدا بالحقيقة والمعنى والقيمة.
ولله في خلقه شؤون!
كاتب مصري