متى ندرك في العالم العربي أن هناك فرقاً كبيراً بين السياسة الواقعية والسياسة الانهزامية التي نشهدها تحديداً منذ انهيار الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي وتجسدت في اتفاقات أوسلو وطابا وواي ريفير وغيرها من الاتفاقات العلنية التي عرفناها وعشنا تداعياتها والسرية التي نعيش تداعياتها ولا نعرفها حتى الآن.

منذ اتفاقات أوسلو المشؤومة تضاعف الاستيطان الإسرائيلي 120 مرة، وبعد مهرجان أنابوليس قبل شهور قليلة تضاعف الاستيطان 20 مرة، وتم محاصرة مدينة القدس العربية بالكامل بالاستيطان اليهودي من كل الجهات وفي مركزها ومحيطها، ولا يزال محبو السلام العرب والفلسطينيون يتحدثون عن أهمية السياسة الواقعية في التعامل مع المتغيرات السياسية والديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الداخل والمهجر.

بعد اجتماع القادة العرب في بيروت عام 2002، أعلنت مبادرة السلام العربية والتي أسميتها وقتئذ «غصن الزيتون العربي» (نسبة لغصن الزيتون الفلسطيني لعام 1974) وجاء الرد الإسرائيلي العاجل والجاهز والذي أسميته «السياسة الواقعية» أو ما يعرف باللغة الانجليزية «realpolitik».

وقلت في مقالة لي نشرت بصحيفة الدستور الأردنية بأن الشعب الفلسطيني أصبح يواجه خطراً كبيراً يكمن في دخول الصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مرحلة جديدة أقل ما يمكن أن نصفها بأنها مرحلة «الحسم السياسي» للقضية الفلسطينية، أبطالها الحقيقيون على أرض الواقع إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة من جهة والشعب الفلسطيني والأمة العربية من جهة أخرى.

إن أهمية استمرار الحديث عن المبادرة العربية في أكثر من مناسبة نابع من فشلها أو فشل أبطالها في التوصل إلى نتائج حددتها المبادرة من جهة، وعدم وجود آلية لتقييمها سلباً أو إيجاباً طبقاً للنتائج التي تتحقق على أرض الواقع من جهة أخرى، فمبادرة السلام العربية التي تبنتها بإجماع الدول العربية تدعو إلى ما يلي:

أولاً: الانسحاب الكامل من الأراضي العربية بما في ذلك الجولان السوري وحتى الخط الرابع من حزيران عام 1967، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان.

هذا القرار لم يأت بجديد من حيث المبدأ والجوهر في قاموس الصراع العربي ـ الإسرائيلي لأنه تم تبنيه في كل القمم العربية السابقة والمجالس الوطنية الفلسطينية منذ عام 1988 وقرارات الشرعية الدولية كالقرارين 242 و338 اللذين أقرا بوضوح أنه لا يحق لأي طرف أن يحتل أرضاً من خلال شن حرب على طرف آخر. أيضا مؤتمر مدريد عام 1991 ومن ثم المفاوضات السياسية التي بدأت في عام 1991 اعتمدت القرارين 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام أي الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي العربية المحتلة عام 1967 مقابل السلام العربي، ولذلك نتساءل هنا، ما هو الجديد الذي أتى في هذا القرار الذي أعاد تأكيد ما تم القبول به منذ سنوات طويلة وبدأت عملية سلمية مدعومة من المجتمع الدولي بدون استثناء على هذه الأسس؟

ثانياً: قبول قيام دولة فلسطين ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية. مرة أخرى نقول ما هو الجديد في هذا القرار لأن الدول العربية أعلنت دعمها وقبولها لهذه الدولة منذ عام 1982 عندما تم تبني مبادرة الأمير فهد في قمة فاس، وأيضا دعت إلى قيام هذه الدولة جميع قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1974 في قرارها 3236 «المستند للقرار 181 لعام 1947» والقرار 1397 الذي طالب بوضوح بقيام دولتين على أرض فلسطين.

ثالثاً: القرار الذي تحدث عن التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين مع اعتماد القرار الدولي 194 كإطار للوصول إلى حل عادل لهذه المسألة، وهنا نتساءل أيضا ما هو الجديد في هذا القرار لاسيما وأن الدول العربية والقمم العربية والأمم المتحدة والقيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية جميعهم قبلوا بهذا القرار وأيدوه؟

المقصود من هذا القرار هو استخدام العبارة الجديدة التالية «التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194»، بمعنى أن الدول العربية أقحمت كلمة «يتفق عليه» إلى ملف اللاجئين لإعطاء مرونة سياسية وقانونية للأطراف المتفاوضة من أجل التوصل إلى صيغة جديدة تقول إن اللاجئين لهم حق التعويض، أما حق العودة يترك للأطراف المباشرة في المفاوضات السياسية، وأن كل طرف له الحق برفض التوطين، مثل لبنان، أو رفض العودة، مثل إسرائيل، أو القبول بالتوطين من قبل أطراف عربية وأجنبية أخرى.

بدا واضحاً من هذا القرار أن العرب أرادوا تسهيل عملية المفاوضات السياسية بين القيادة الفلسطينية وإسرائيل خاصة وأن ملف اللاجئين الفلسطينيين، كما أجمع غالبية السياسيين والمحللين والمراقبين، هو الملف الأصعب الذي قد يعطل أي تقدم في العملية السياسية.

باختصار، إن المبادرة العربية دلت على إقرار واعتراف عربي مفاده أن الدول العربية لا تملك إلا أن تؤكد التزامها بالسلام الاستراتيجي وفق الشرعية الدولية وأن تتمسك بغصن الزيتون وتستبعد البندقية من قاموس الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه العرب في بيروت تجسد في تبني آليات عملية ومحددة لدعم الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاحتلال الإسرائيلي، الذي هو كفاح مشروع، واكتفوا بالتأكيد على أن مبادرة السلام العربية هي شكل من أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي للشعب الفلسطيني وقيادته المحاصرة والمستهدفة من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

لم ترتق المبادرة العربية إلى طموحات وتطلعات ليس فقط الشعب الفلسطيني بل والشعوب العربية عندما فشلت في توضيح رؤيتها الاستراتيجية تجاه دعم المقاومة الفلسطينية المشروعة والمكفولة في قواميس الشرعية الدولية، وأن دعم المقاومة الفلسطينية لا يتحقق فقط من خلال استصدار قرارات سياسية أو إلقاء خطابات أو حتى بالتوسل والاستجداء من أجل السلام.

إن الدعم الذي توقعته الشعوب العربية ـ في حالة استثناء الدعم العسكري كما كان مطروحاً عربياً ـ يأتي من خلال إيجاد خطة عمل واضحة تتبناها الدول العربية وتلجأ من خلالها إلى استغلال جميع الإمكانات المتوفرة ـ سياسية واقتصادية ودبلوماسية وإعلامية ـ في إطار تحرك شامل في جميع عواصم القرار الدولي وفي الأمم المتحدة وضمان توفير الحماية العاجلة للشعب الفلسطيني لوقف المذابح الإسرائيلية المستمرة والممنهجة.

لقد خلت مبادرة القمة العربية من أي «واقعية تحذيرية» إلى جانب «الواقعية السياسية» لتؤكد أن العرب المتمسكين بالسلام كخيار استراتيجي يرفضون الاستسلام للسياسة الواقعية الإسرائيلية القائمة على منطق القوة والغطرسة.

إن الرد الإسرائيلي على المبادرة العربية تجسد بعد ساعات قليلة بعملية كبيرة استهدفت مدينة رام الله والقيادة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني. لقد أعلن شارون وقتئذ وجميع القادة الإسرائيليين الذين خلفوه أنهم يرفضون المبادرة العربية وأنهم ماضون في سياستهم العدوانية مؤكدين على أن خيار القوة العسكرية هو الخيار الأنسب لهم ومن خلاله يستطيعون تحقيق الأهداف التوسعية المبنية على معتقدات إيديولوجية ـ توراتية.

إن السياسة الإسرائيلية منذ قيام الدولة العبرية عام 1948 اعتمدت مبدأ السياسة الواقعية «realpolitik» لتحقيق الأهداف الصهيونية على أرض فلسطين وعلى الأرض العربية ورفضت باستمرار السلام المبني على قرارات الشرعية الدولية لأنه يتعارض حتما مع المبادئ الصهيونية، بالمقابل، اعتمدت الدول العربية سياسة «غصن الزيتون» مع عدو يعتمد في سياسته الاستراتيجية والتكتيكية على منطق القوة والعسكريتاريا، ويعلن باستمرار قبل عملية مدريد وبعدها وقبل المبادرة العربية وبعدها أنه لا يحتاج إلى السلام الشامل والمتوازن ولا إلى الاعتراف العربي ولا إلى الأمن والاستقرار إلا إذا حقق هدفه الاستيلاء على كل أرض فلسطين ونجح في إخضاع الأمة العربية.

ما يجري الآن في فلسطين ولبنان والعراق من قبل إسرائيل وحلفائها لهو أمر عظيم وتحد كبير للعالم العربي، وهو جزء من عملية تراكمية طويلة من سياسات ـ يسارية ويمينية وحمائم وصقور ـ فحواها أن السلام ليس سلام عربي تمنحه الدول العربية لإسرائيل لكنه سلام إسرائيلي بالشروط الإسرائيلية والأميركية.

فإلى متى تستمر سياسة غصن الزيتون العربية؟

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com