كانت زيارتي الأولى إلى باريس في شهر مايو ـ أيار من عام 1968. هكذا كان لي موعد حددته الصدفة مع إحدى أكثر الفترات اضطرابا في فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إنها الفترة التي شهدت ما عُرف بـ «أحداث الطلبة» أو ما أطلقوا عليه أحيانا تسمية «ثورة الطلبة». ودفعني حماس الشباب، وغياب «حكمة الشيّاب» آنذاك، على الاقتراب من الحي اللاتيني حيث كان المسرح الرئيسي لـ «المجابهات» بين المتظاهرين ورجال الشرطة.

ولن أنسى أبدا صورة أولئك الطلبة الذين كانوا يتجمعون على أحد رصيفي شارع «سان ميشيل» بالقرب من جامعة السوربون بينما كان رجال الشرطة على الرصيف الآخر لا يحرّكون ساكنا قبل أن يبدأ الطلبة برميهم بالحجارة لتبدأ «المعركة».

واليوم ها هو شهر مايو ـ أيار 2008 يطلّ من جديد. أربعون عاما مضت ويبدو أن مايو ـ أيار 1968 لا يزال طريا في الذاكرة. ما لا يقل عن مئة كتاب والعشرات من «الأعداد الخاصّة» في مختلف الدوريات ومئات المقالات في الصحف وسلاسل لا تنتهي من النقاشات التي نظّمتها وتنظّمها القنوات التلفزيونية.

وحتى مخزن «فوشون» الراقي الشهير في باريس أعلن انه «يحتفل بذكرى مرور أربعين سنة على مايو 1968 بطرح شاي ذي نكهة ثورية للبيع»، كما تقول جملة علّقها في إحدى واجهاته. هذه هي بعض مظاهر «الاحتفال» بتلك الصفحة الاستثنائية من تاريخ فرنسا الحديث.

الفرنسيون منقسمون عامة حيال هذه الذكرى بين تيارين كبيرين. التيار الأول يضم أولئك الذين يعيشون نوعا من «الحنين» إلى ما يرون فيه العصر الذهبي الذي أنهى حالة من الجمود المزمن وقال «لا» لكل ما يكبح الحريات الفردية. والتيار الثاني على النقيض تماما إذ يرى أن إرث مايو 1968 يشكل،بما جلبه من فوضى، كارثة بالنسبة لفرنسا اليوم. وعلى رأس هذا التيار الثاني رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي نفسه الذي لم يتردد في القول أنه ينبغي «طي الصفحة» و«التخلّص من هذا الإرث، مرّة واحدة وإلى الأبد».

بكل الحالات يبدو بوضوح أن الإجابات المقدّمة حاليا على إرث مايو 1968 هي ذات طابع سياسي له علاقة مباشرة بمواضيع الساعّة ورهاناتها الانتخابية أولا. المؤيدون يرددون «لقد غيّرنا المجتمع» فيرد عليهم المعارضون «بل لقد دمّرتم المجتمع».

هنا قد تكون وقفة سريعة مع التاريخ مفيدة لفهم السياق العالمي الذي قامت فيه أحداث مايو 1968 في فرنسا. فقبل ذلك كانت رياح الاحتجاج قد هبّت قوية على الساحة الأميركية، في الجامعات وغيرها، ضد الحرب في فيتنام بالتوازي مع المطالبة بالمساواة في الحقوق المدنية بين البيض والسود. انتقلت حركة الاحتجاج بعد ذلك إلى قارات وبلدان أخرى تحت شعار أعرض وأوسع هو النضال ضد «الامبريالية الأميركية» ومناصرة الشعوب المظلومة.

انطلقت الحركة إذن من جامعات أميركية مرموقة مثل بيركلي وكولومبيا ويال وتجاوزت إطارها الخاص بمناهضة حرب فيتنام والمطالبة بحقوق السود إلى الاحتجاج ضد المنظومات الاجتماعية القائمة والمطالبة بـ «إعادة صياغة العالم».

كانت الأشهر التي سبقت أحداث مايو في فرنسا قد عرفت احتجاجات مختلفة في عدّة بلدان أوروبية مثل بولندة وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا. وكانت لندن قد شهدت في شهر مارس ـ آذار مظاهرة عارمة قادها الطالب الباكستاني طارق علي للاحتجاج ضد الحرب الأميركية في فيتنام واشتبك المتظاهرون أثناءها مع الشرطة البريطانية أمام السفارة الأميركية التي أرادوا اجتياحها. ومظاهرات أيضاً في المكسيك واليابان وغيرهما. وتجدر الإشارة إلى أن 1968 كان هو عام «ربيع براغ» الذي اجتاحت فيه الدبابات السوفييتية العاصمة التشيكوسلوفاكية.

لكن لا شك أن ذروة حركة الاحتجاج كانت في فرنسا خلال شهر مايو من تلك السنة في فرنسا التي لعبت واقعيا دورا مركزيا في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية واحتل مثقفوها مقدمة المسرح الفكري العالمي. وكان لشخصية الجنرال ديغول دور جوهري آنذاك فيما يتعلّق بتكوين البنى الأوروبية لفترة ما بعد تلك الحرب.

إن ما يقارب الثمانية ملايين شاب نزلوا إلى الشارع في فرنسا،أي ما يعادل 15 بالمئة من مجموع السكان. وملأت جدران باريس شعارات من نوع «ممنوع المنع» و«تحرير الشعب من الاضطهاد البورجوازي» و«جسدنا لنا» و«اصنعوا الحب وليس الحرب» و«نريد كل شيء...والآن». لم يكن من الممكن تجاهل ذلك. باختصار كان منعطفا تاريخيا. لقد برزت «فرنسا جديدة» تغيرت فيها أشكال السلوك والقيم والممارسات. تجاوزت أصداء تلك الموجة فرنسا إلى أوروبا والعالم. ولا شك أبدا أن «سلطة الصورة» كان لها وزنها في تدعيم التوجهات الجديدة.

ويبرز السؤال: ماذا بقي من هذا كلّه اليوم؟.

لا يزال معسكر اليسار في فرنسا هو الأقرب و«الأوفى» لإرث 1968. لكن هذا لا يمنع واقع أن «قدماء ال68» قد تأقلموا جيّدا مع قواعد السوق والإعلان ومجتمع الاستهلاك وكواليس السلطة. إنهم باختصار «يسبحون مثل السمك في الماء» في إطار اللعبة «البورجوازية» التي كانوا قد «ثاروا» ضدها. لكنهم حريصون دائما على «المكاسب الفكرية» التي يمنحها لهم ماضيهم «الثوري». بل غيّر بعضهم «معسكره».وربما أن المثالين الحاليين الأكثر بروزا على ذلك اليوم هما وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير والفيلسوف اندريه غلوكسمان.

وإذا كان الشباب في الجامعات الفرنسية والأميركية وغيرها ممن قد أعلنوا في سنوات الستينات الماضية غضبهم ضد المجزرة الفييتنامية فإننا لا نسمع لهم اليوم صوتا في أي مكان. بل لم نسمع أن طالبا واحدا حمل لافتة عليها جملة احتجاجية ضد الحرب العراقية والقمع الدموي المستمر في فلسطين وسقوط مئات الآلاف من الضحايا. الصمت وحده هو الذي يخيّم وكأن ما يجري هو في كوكب آخر، ولصنف غير صنف البشر.

وهناك اليوم الكثير من المظالم والاضطهاد وأشكال التمييز على أساس الانتماء الإثني أو القومي أو العقائدي.. ولا أحد يتحرّك، ربما باستثناء بعض «الجمعيات الإنسانية» التي «تخلّص ضميرها» أكثر مما تخلّص المعنيين من الظلم الواقع عليهم.

قد يكون الإنسان مع ذهنية 1968 أو ضدها «وربما أن أولئك الشباب ارتكبوا «كومات» من الحماقات. لكن، وبعيدا عن أي حكم قيمة عليهم فلا شك أنهم ساهموا في توجيه مسيرة تاريخهم، وتاريخنا أيضا، وفي دفع عجلة السلام في العالم إلى الأمام. هذا الدور قد يبرر الحنين على روح مايو 1968، ونحن في عام 2008. وأذكر أنه عندما كنّا طلابا في ثانوية بلدتنا الصغيرة «الجميلة» على الشاطئ السوري لم نكن نتردد في التظاهر و«النزول إلى الشوارع» للاحتجاج إذا مرّت طائرة عدنان مندريس، رئيس وزراء تركيا آنذاك وأحد أركان «حلف بغداد» المشؤوم.

اليوم في عام 2008 لم يعد هناك من مايو 1968 في فرنسا أو غيرها سوى بعض الذكريات «المستحضرة» التي حوّلتها الآلة الإعلامية المهيمنة إلى «وجبة سريعة» للنقاشات بمشاركة بعض «المحاربين القدامى» أحيانا.

الجميع ينضوون اليوم في الصف وكأن كل شيء «على أفضل ما يرام»، بينما يكفي مجرّد الاستماع إلى، أو مشاهدة، نشرة إخبارية لمعرفة أن الأمور هي بالأحرى ليست على ما يرام. وأن العالم زاخر بالحروب والقتل وأزمات المعيشة وأزمات الخبز وبكل ما يدعو إلى «الانفجار». وربما أن السؤال هو لماذا لم تنفجر حتى الآن؟.

يبدو أن ذهنية الاحتجاج التي كانت وراء أجواء مايو 1968 هي «آخر الموتى» والعالم يحتفل فعليا بـ «أربعينها».

كاتب سوري ـ باريس