هل إسرائيل جادة فعلا في السلام مع سوريا؟ هل سيعاد الجولان المحتل من دون مقابل؟ وإذا كانت نية إسرائيل في السلام الحقيقي مع سوريا ما هو المقابل الذي سوف تتحصل عليه من سوريا؟

الرئيس السوري اعترف بمساع تبذل لتقريب وجهات النظر السورية والإسرائيلية حول إمكانية جلوسهما علنا والاتفاق على مشروع سلام دائم بينهما، وذات الاتجاه ذهب إليه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي لم ينف نية إسرائيل في إعادة الجولان المحتل مقابل سلام مع سوريا.

لكن تجارب إسرائيل السابقة مع الدول العربية التي أبرمت معها اتفاقات سلام صبت جميعها في مصلحة إسرائيل لا غير، يكفي أنها عزلت هذه الدول وأبعدتها من لعب أي دور فاعل في لعبة الصراع الشرق أوسطي، إلى حد وجدت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها وحيدة تتخبط في صراعها مع إسرائيل من دون سند عربي أساسي بعد ما كان هذا الصراع عربيا إسرائيليا في الأول.

ولذلك فإن إسرائيل تلعب لعبة كبيرة من وراء تمريرها لفكرة إعادة الجولان المحتل وفي نيتها تحجيم دور سوريا واحتوائها عبر اتفاق طويل الأمد يسكت صوتها ويضع عليها التزامات قانونية تحولها إلى مجرد دولة ملاحظة وليست فاعلة في لعبة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، فهل يعقل أن تقوم إسرائيل بإعادة ارض احتلتها أكثر من أربعين سنة وأقامت عليها مرافق عسكرية ومدنية وتقدمها على طبق من ذهب في مقابل سلام وسلام فقط.

إسرائيل ليست بحاجة إلى سلام نتشدق به، فهي دولة عسكرية في الأساس وتعودت على أن تعيش جو الثكنات العسكرية، وأكثر من ذلك، هي متفوقة عسكريا وتلقى دعما أميركيا ودوليا، فلماذا تهرول إلى المطالبة بسلام من دون ثمن؟

وإذا سلمنا أنها تريد فعلا إقامة سلام مع سوريا، فإن المقابل لا يختلف على ما حدث مع مصر والأردن وهو أن تطالب إسرائيل باتفاق سلام شامل يضمن بشكل غير مباشر مصالح إسرائيل أولها إيقاف تعاون سوريا مع إيران وكوريا الشمالية ووقف مشاريعها لشراء عتاد عسكري ترى إسرائيل انه موجه إليها أساسا، بدليل تزامن الإعلان عن احتمال إقامة السلام بين سوريا وإسرائيل مع الحديث عن التعاون السوري الكوري شمالي وما يخلفه هذا التعاون من انعكاسات على الأمن الإسرائيلي. إن أي اتفاق مستقبلي بين سوريا وإسرائيل سوف يكون تحت إشراف أميركي لا غير ولن تسمح الولايات المتحدة لأي طرف دولي أو عربي في المشاركة في هندسة السلام بين الدولتين، اللهم موافقتها على حضور هذه الأطراف مراسم التوقيع واخذ الصور.

كما لا يمكن أن نسقط من الحسابات السياسية عند طرح فكرة إقامة السلام بين إسرائيل وسوريا الدور الإيراني المتنامي، ليس فقط إقليميا بل دوليا، فإسرائيل تعرف أن سوريا لا تشكل خطرا عليها عسكريا وسياسيا، لأن الدور السوري تراجع بعد أن فشلت سوريا في بناء التوازن الاستراتيجي في المنطقة نتيجة عدم تلقيها دعما من الدول العربية الفاعلة كمصر والأردن اللتين وقعتا على اتفاقيات سلام مع إسرائيل بالإضافة إلى انسحاب سوريا من لبنان وما صاحب ذلك من ضغوط أميركية عليها حجم دورها وجعلها تحسب من احتمال تكرار السيناريو العراقي عليها، فإسرائيل تحسب لإيران ألف حساب.

وتعلم أن الخيارات العسكرية والأمنية لا يمكن توظيفها مع إيران وتحديدا في هذه المرحلة التي لم يتم فيها حسم ملف العراق بعد، فإيران وصلت إلى حد معين من التوازن النووي مع إسرائيل وعزز ذلك من مكانتها الإقليمية حتى أصبحت فاعلا رئيسيا في الملفين العراقي واللبناني.

وبالتالي يتطلب الأمر بالنسبة لإسرائيل احتواء إيران دبلوماسيا عبر ضغوطات الولايات المتحدة الأميركية عليها وسياسيا عبر كسر التحالف السوري الإيراني، فإسرائيل تريد إبقاء إيران وحيدة في لعبة الصراع وعندها فقط يمكن لإسرائيل أن تعيد ترتيب الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط وفق مصالحها على أن تكون هي محور النظام الإقليمي ومطمئنة للعيش في سلام لأن جميع الدول العربية الفاعلة موقعة على اتفاقات تلزمها أن تضمن السلام لإسرائيل.

وسوف تكون فلسطين آخر مرحلة من مراحل الخطة المرسومة ولن يكون لدى السلطة أي خيار غير التوقيع والتوقيع بالشروط الإسرائيلية.

Khiredine12@hotmail.com