بينما تدور المساعي الفرنسية لتسويق مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»، لا بد لنا كعرب أن نجيب أولا عن هذا السؤال المحير.. هل يجوز أو يمكن أن نتحد مع إسرائيل في اتحاد متوسطي ونتخلى عن فلسطين بعدما فشلنا في الاتحاد مع أنفسنا في اتحاد عربي؟!
وتبدأ الحكاية عندما كانت الأمة العربية يسودها التضامن، وفرضت نفسها كقوة لها وزن على العالم، خصوصا بعد انتصار حرب رمضان المجيدة ومع ازدياد أهميتها كمصدر رئيسي للطاقة، فدخلت مع قارات العالم في حوارات تؤسس لعلاقات تعاون استراتيجي تحقق المصالح المتبادلة لكلا الطرفين، بصورة ندية ودون قابلية للوصاية أو خشية من الاختراق..
وتمثل ذلك في الحوار العربي ـ الأوروبي، وفي الحوار العربي ـ الأفريقي، وفي الحوار العربي اللاتيني. غير أنه مع تغيرات سلبية في الأوضاع والسياسات العربية، ولدت ضعفا لبنية التضامن العربي ووحدة التوجهات السياسية مع العالم، وتباينا في الأولويات بين التوجه غربا نحو أميركا وأوروبا أو التوجه جنوبا نحو أفريقيا، وبينما فشل العرب في تحويل التضامن العربي إلى «الاتحاد العربي»، اتحدت أوروبا في «الاتحاد الأوروبي» واتحدت إفريقيا في «الاتحاد الإفريقي».
ولم يتواصل الحوار العربي الإفريقي، غير أن العلاقة العربية مع إفريقيا تطورت جزئيا مع إعلان الاتحاد الإفريقي بقوة دفع ليبية عربية، حيث انضمت الدول العربية الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي، وبقيت الدول العربية الآسيوية خارجه، ومع دعوتها للانضمام إلى «اتحاد عربي إفريقي»، إلا أن الدول العربية دون «اتحاد عربي» بدت للأوروبيين ككعكة يمكن توزيعها أو قالبا من الزبد يمكن اختراقه!
ومع انكشاف حرص الطرف الأوروبي على أن تكون الأولوية لأجندته ولعودة نفوذه، تعثرت مسيرة الحوار العربي الأوروبي في الثمانينات ولم تتواصل إلا في المنتدى الأورو متوسطي ببرشلونة عام 1995، ومع فشل صيغة برشلونة خرج علينا ساركوزي رئيس فرنسا بمشروعه «الاتحاد المتوسطي»، لتحسين وضع فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي بسعيها لاحتواء المغرب العربي، وليضم تركيا المسلمة لإبقائها خارج الاتحاد الأوروبي، ويضم إسرائيل لتطبيعها عربيا! لكن الدول الأوروبية التقطت الفكرة الفرنسية.
وقررت قمة الاتحاد الأوروبي منتصف مارس الماضي احتواء فرنسا واحتواء دول الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط معا، بمشروع أوسع هو الاتحاد الأورو متوسطي وليس الفرانكو متوسطي، تحت اسم «الاتحاد من أجل المتوسط»، وقررت الدعوة لعقد قمة أورو متوسطية منتصف يوليو المقبل في باريس لإطلاق المشروع، وذلك حتى لا تنفرد فرنسا بالكعكة المغربية والعربية والمتوسطية وحدها، هذا إذا كانت هذه الكعكة قابلة للقضم.
لكن ساركوزي عراب المشروع، نشط زياراته لدول المغرب العربي واستقباله لرئيس مصر في باريس مرتين لتسويق مشروعه الفرانكفوني بقبعة أوروبية، والأسبوع الماضي كانت محادثاته مع الرئيس المصري في باريس وأخرى مع الرئيس التونسي في تونس، وبينما رحب الرئيس زين العابدين بالمشروع مع الحوافز الفرنسية، كان الرئيس مبارك حذر في ترحيبه الذي انصب على إجراء مزيد من المحادثات بين الدول العربية والدراسات بين الجانبين.
وباعتبار أن المفكرين والسياسيين العرب يعتبرون الدائرة المتوسطية إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية العربية، ولكن على أساس علاقات احترام الإرادة المستقلة ما بعد نهاية عصر الاستعمار، لا بعلاقات الوصاية والاحتواء وبداية عودة التنافس الاستعماري في صيغة ما تضم إسرائيل للتطبيع المجاني، تحت لافتات جديدة وعلى محاور متعددة لحلفاء الأطلسي الغربي لاحتواء الشرق العربي الإسلامي، سواء بالمحور الأميركي باتفاقيات ثنائية تركيزا على الخليج العربي، أو على المحور الأوروبي باتفاقيات منفردة تركيزا على الجزء العربي المتوسطي، أو بالمحورين معا عبر حلف «الناتو» تركيزاً على الخليج والمتوسط معا، سعيا بالحوار إلى التحالف وهذا ما يستدعي الحذر الكامل.
ومن هنا كان حذر مصر تجاه «الاتحاد المتوسطي»، وممانعة «الشراكة مع الناتو» من جانب مصر وليبيا في المتوسط، ومن السعودية وعمان في الخليج مما يدعو لبقية من أمل في يقظة بعض العرب.