هناك مقولة أثيرة تبين أن «من يملك يحكم» وأخرى تكملها تقول إن «من يدفع يسأل»، والمال الذي شكل دوماً العمود الفقري للسلطان، إلى جانب العصبية بمفهوم ابن خلدون وأنماط الشرعيات الحديثة كالثورة والدستور والإنجاز، هو الذي يتحكم، إلى حد كبير، في مسار البحث العلمي، سواء بالنسبة للعلوم البحتة أو الإنسانية. فالتجارب المعملية والدراسات الميدانية تحتاج في النهاية إلى من يمولها، والباحثون الذين يأخذون على عاتقهم التصدي لمختلف البحوث يحتاجون إلى رواتب وأجور ومكافآت ومنح، حتى يستطيعوا أن ينجزوا هذه المهمة على خير وجه.
وتحتاج حركة البحث العلمي في أي دولة إلى مؤسسات وهيئات ترعاها ماديا ومعنويا، ومن دون هذا يضعف المنتج العلمي لهذه الدولة ويتردى إلى أحط المستويات، ويركز على القضايا السهلة، والمتاحة، ويصبح أغلبه مجرد إعادة إنتاج لما هو سائد. وفي مثل هذا المناخ يمكن لجهات دولية، قد تكون أجهزة استخبارات أو مؤسسات استشراقية، أن تدخل على الخط، لتفرض أجندتها الخاصة وتجذب إليها الخبراء والباحثين، فيتبنوها عن طيب خاطر، لأنهم على الأقل يجدون من يدفع لهم مقابل ما يقدمونه من أوراق بحثية ودراسات.
وفي الحقيقة فإن المال ليس العنصر الوحيد المتحكم في توجيه مسيرة البحث العلمي في منطقتنا، فهناك أيضا سلطة المعرفة ذاتها، متمثلة في قطاع من المشرفين على الرسائل العلمية في الجامعات الغربية، وكذلك في كثير من مراكز الأبحاث التي نشأت على أرضنا، لكنها إما تدين بالولاء لقوى وراء البحار، أو أنها تغازل تلك القوى من أجل الحصول على الدعم المادي المطلوب لإجراء الأبحاث وإقامة الأنشطة العلمية الدورية. وهناك أيضا الأفراد من علمائنا وباحثينا الكبار، الذين تربطهم بالنسق الحضاري الغربي وشائج أقوى بكثير من تلك التي تصلهم بأوطانهم، التي ولدوا فيها، ويحملون جنسيتها.
لقد أتيح لي أن أطالع سريعا عناوين ومحتويات مكتبة كاملة، تشمل الرسائل العلمية التي أعدها طلبة ينتمون إلى دول مجلس التعاون الخليجي الست في جامعات الغرب، وحصلت عليها مكتبة «اتحاد الإمارات» التي أنشأها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ـ وهي مؤسسة وطنية مهمة ـ فلمست في الموضوعات كافة أنها تجيب على أسئلة يريد الباحثون الغربيون أن يعرفوا إجاباتها عن منطقة الخليج، لا سيما أنها غارقة في الخصوصية والمحلية، ولا يتاح لباحث أجنبي أن يطلع عليها بسهولة، أو يجري دراسة ميدانية تتوافر لها الظروف التي تجعل منها عملا علميا حقيقيا. وكل هذه الأبحاث لو وضعت جنبا إلى جنب، فإنها سترسم الملامح الكاملة للحياة الخليجية المعاصرة. وهذا الأمر ينطبق على أغلب الأبحاث التي أعدها طلبة عرب من بلدان أخرى خارج الخليج، عن ظواهر اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية وسياسية في أوطانهم.
وتعقد آلاف الندوات والمؤتمرات وورش العمل في العالم العربي كل سنة حول موضوعات محددة وعناوين شبه ثابتة، جميعها تصب في إطار عمليات التمدين والتحديث، مثل قضايا حقوق الإنسان والمواطنة، وتمكين المرأة، وحقوق الطفل، والجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وتخليص السياسة من الآيديولوجيا الدينية، وإيجاد الدولة المدنية وإعلاء مبدأ المواطنة.
وهذه هي الموضوعات التي تقبل المؤسسات الغربية أن تمولها، وهي بالطبع لا تدور حول قضايا تافهة، أو نحن في غنى عنها، أو لا تجد من يتبناها ويؤمن بها من مفكرينا وخبرائنا وباحثينا عن ظهر قلب وفي تجرد ونزاهة، ويرى فيها ما يحقق للعرب المعاصرين التقدم والنهضة، لكن هذه ليست كل القضايا التي تمس حياتنا ونحتاج إلي معالجتها ويتوقف عليها مستقبلنا. فهناك مسائل لا تقل أهمية عن كل هذا لكنها مهملة، وإن وجدت من يهتم بها فلن يجد من المؤسسات الغربية ما يموله أو يقف إلى جانبه.
وأعتقد أن قضية «المقاومة» من القضايا المهملة في المؤسسات المعنية بالدراسات الإنسانية في العالم العربي، رغم أنها المشروع الأنجح في تاريخ العرب المعاصر، ومع أنها صارت مسألة حتمية لا خيار لنا فيها، خاصة بعد عودة الاستعمار التقليدي إلى بلادنا، ناهيك عن الأشكال المعروفة من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية.
فعلى مدار سنوات ما بعد احتلال العراق، نكاد أن نحصي المؤتمرات والندوات التي عنيت بالمقاومة على أصابع اليد، وكثير منها نظمتها مؤسسات صغيرة محدودة القدرات المالية والإعلامية، وكانت أعلاها تقريبا تلك التي عقدتها الجمعية الفلسفية المصرية بجامعة القاهرة في ديسمبر من عام 2004، وتم نشرها بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية في كتاب وسم بـ «ثقافة المقاومة»، والندوة التي احتضنتها نقابة الصحافيين المصريين عام 2007 ونظمها المركز العربي للدراسات، وندوات أخرى متفرقة عن بعض قوى المقاومة في المنطقة، كالمقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية.
وبالطبع فإن الدعوة إلى تخصيص جزء من الأجندة البحثية العربية الراهنة لدراسة المقاومة مترافقة، في ذهني، مع دعوة إلى توسيع مفهوم المقاومة ليمتد إلى جبهات أربع، هي مقاومة العدو الخارجي أو الاحتلال الأجنبي، ومقاومة الحاكم الجائر والتظالم الاجتماعي والفساد، ومقاومة الأفكار والعادات والتقاليد المتخلفة التي تشد المجتمع إلى الوراء، ومقاومة شرور النفس الإنسانية التي ألهمها الخالق سبحانه وتعالى فجورها وتقواها.
وبعض الأجندة الراهنة تعالج موضوعات يمكن توزيعها على الجبهتين الثانية والثالثة من جبهات المقاومة، لكنها لا تغطي هاتين الجبهتين على الوجه الأكمل، كما أن اختلاف إطار المعالجة يجعل الدراسات والأبحاث تجنح بعيدا عن خدمة الفعل المقاوم، بل إنها تذهب في بعض المواضع والمواقع ولدى فئة من الباحثين إلى عكس هذا الفعل، بتغذيتها المشروعات التي تدعو إلى تفكيك هويتنا، وتراخي عزائمنا في مواجهة المحتل الغاصب والمعتدي الأثيم.
إن الوقت قد حان لنسخر جزءا وفيرا من جهدنا البحثي وقدراتنا المالية وطاقتنا العقلية، لخدمة مشروع عربي جديد يعطي للشعوب العربية مكانها اللائق والطبيعي في تقرير مصيرنا، بعد أن أعادتنا الأنظمة الرسمية مرة أخرى إلى يد الاستعمار.
كاتب وباحث مصري