في الوقت الذي تتصاعد فيه اعمال العنف الدموية العمياء في العراق الشقيق وعلى نحو يثير الكثير من التساؤلات حول الاهداف الكامنة وراء ذلك وما ترمي اليه القوى المتورطة والتي لا يمكن ان تكون حريصة على حاضر ومستقبل العراق، فان الممارسات الاسرائيلية الهمجية والتي تنتهك كل الاعراف والقوانين والمواثيق الدولية تتواصل ضد المواطنين الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين، وعلى نحو لا يمكن الا ان يثير الأسى والفزع حيال هذه الممارسات البشعة.
غير ان التوتر المتزايد في كل من العراق والاراضي الفلسطينية المحتلة والذي يمتد احيانا الى الساحة اللبنانية لم يستطع ان يغطي على تطور على جانب كبير من الاهمية، او بمعنى أدق ما يمكن ان يكون كذلك بالنسبة لاتجاه تطور الاوضاع في المنطقة خلال الفترة القادمة، ونعني به الحديث المتزايد حول السير نحو تجاوز الخلافات العربية، وخاصة ما يمكن وصفه بسحب عابرة بين دمشق وكل من الرياض والقاهرة من ناحية، واحتمالات السير نحو مفاوضات سورية اسرائيلية بوساطة تركية حول تنشيط عملية السلام على المسار السوري الاسرائيلي من ناحية ثانية.
ومع التأكيد على حقيقة ان العلاقات بين دمشق وكل من الرياض والقاهرة هي في الواقع أقوى وأعمق مما يتصور كثيرون، وانها قادرة على تحمل اية تفاوتات او تعدد في الرؤى حيال هذه القضية او تلك او في ظروف معينة، فان السحب التي تجمعت في أفق العلاقات بين سوريا وكل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية لن تلبث ان تتبدد، بل انها بدأت بالفعل في الاختفاء، خاصة وان هناك العديد من التصريحات الايجابية والتي تعبر عن حرص كل من الدول الثلاث على هذه العلاقات وعلى تجاوزها اية خلافات طارئة، واخرها تصريحات الرئيس السوري بشار الاسد ومسؤولين سعوديين ومصريين كبارا ايضا، وهو ما يبشر بالتقارب بين الدول الثلاث، مما ينعكس اثره ايجابيا على المستوى العربي العام.
ومع الوضع في الاعتبار ان سوريا تتولى الان الرئاسة الدورية للقمة العربية، وانها بحكم هذه الرئاسة تتحمل مسؤوليات عديدة حيال مختلف التطورات العربية بوجه عام، وبالنسبة لعملية السلام في المنطقة، اي بكل مساراتها بوجه خاص، فان الحديث المتزايد حول المساعي التي تبذلها تركيا لتحقيق التواصل غير المباشر بيد سوريا واسرائيل من اجل بحث عملية السلام على المسار السوري الاسرائيلي، يزيد في الواقع من اهمية وضرورة العمل من اجل تجاوز الخلافات العربية وتحقيق المزيد من التقارب بين الاشقاء، وتهيئة مناخ عربي ايجابي نحن أحوج ما نكون اليه الان حتى يمكن اعادة تنشيط قضايانا ووضعها على نحو مناسب امام مختلف القوى الدولية ووضع هذه القوى امام مسؤولياتها ايضا.
ولان اسرائيل هي الطرف الاخر في عملية السلام، ولان هناك قدرا غير قليل من الاختلال في علاقات القوة معها، فان بناء علاقات وتضامن عربي حقيقي وقادر على اعادة اللحمة الى الصف العربي يعد امرا لا غنى عنه اذا كنا نريد حقا الحفاظ على المصالح العربية ودفع اسرائيل الى الاستجابة لمتطلبات السلام واعادة الحقوق العربية كاملة بما فيها الجلاء عن الاراضي التي احتلتها عام 1967 واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
واذا كان العرب قد اكدوا رغبتهم في السلام كخيار استراتيجي، فان تهيئة الاجواء العربية لاستعادة التقارب ووحدة الصف العربي جديرة بكل مساندة وجهد صادق من جانب كل الاشقاء لان في ذلك مصلحة كل العرب الان وغدا ايضا.
