تعود ذكرى أكبر عملية اغتصاب في التاريخ بعد قرابة أسبوعين من هذا اليوم، حين أعلنت الصهيونية العالمية قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية قبل ستين عاما، وأيدت قيامها الأمم المتحدة راعية الأمن والسلام العالميين.
وعلى الرغم من تعدد الروايات حول حقيقة ما حدث، وأن دخول الجيوش العربية ساعد في الهجرة المؤقتة للعرب الفلسطينيين التي دامت لستين عاماً حتى الآن، فإن حق العودة الذي كفلته قرارات الأمم المتحدة والحد الأدنى من حقوق الإنسان أصبح في هذه الأيام من القضايا التي يلفها الغموض الشديد، بل أصبح يتعرض للشطب من الملفات في دهاليز المفاوضات التي لا يعرف أحد مداها إذا مضينا في مسلسل المفاوضات لا سمح الله.
وإذا كانت المفاوضات، أية مفاوضات، قد تتناول أي شيء، ولاسيما في معادلة الضعف والقوة، فإنه من غير المستغرب أن تشمل المفاوضات بين العرب وإسرائيل مثل هذا الملف المعقد الخطير في سياق البعد الديموغرافي الذي يخل بقضايا كثيرة كانت وراء إنشاء ما سمّي بدولة إسرائيل التي اغتصبت الأرض والإنسان ضد كل الشرائع والمواثيق.
وإذا كانت المعادلة التي استندت إليها الدعاية الصهيونية ومن حالفها وأيدها ويسر لها أطماعها التي كانت في وقتها ذاك ضرباً من الخيال، وهو الاستعمار البريطاني وحلفاؤه في العالم أجمع، قد قامت على إحدى خرافات العصر بل خرافات التاريخ، وهي أن فلسطين أرض بلا شعب، مهيأة لاستقبال شعب بلا أرض، إلى جانب الخرافة التاريخية في إنشاء وطن قومي لليهود في أرض الميعاد، فإن المعادلة ما زالت حتى وقتنا الحاضر تقوم على هذه الخرافات التاريخية.
إن لب الصراع يكمن في هذه المعادلة التي لا تستند إلى حقيقة تاريخية أو أخلاقية، فالإنسان الفلسطيني هو المستهدف في وجوده؛ لأن الفلسطيني الطيب في عرف الأدبيات الصهيونية هو الفلسطيني الميت. ومن العجيب أن العبقرية الصهيونية تتفتق عن فكرة جديدة تبدو من الأفكار النشاز المفارقة لروح العصر الحديث، وهي الإصرار على النقاء العرقي بل النقاء الديني للدولة الصهيونية، وهو ما يصب مباشرة في البعد الديمغرافي ونفي الأحقية الأصلية للشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي فلسطين التي عمرها واستوطنها منذ فجر التاريخ. ومن الغريب أن هذه الفكرة الخارجة عن قانون العصر وأدبياته وأخلاقه تبنتها دول الاستعمار القديم والحديث التي أنشأت هذه الدولة العنصرية ومدتها بأسباب الوجود والدعم الموصول.
ومن الطبيعي أن يؤثر هذا التطور الخطير على الشعب الفلسطيني المتجذر في أرضه والمنفي عنها قسراً تأثيراً خطيراً؛ فالمواطن الأصلي الذي يشكل أكثر من ربع السكان في الكيان الصهيوني معرض بسبب هذا القانون إلى التهجير القسري لأنه يخل بنقاء العرق والدين، ويصبح المواطن كياناً طارئاً على هذا الكيان لا يتمتع بالحقوق الوطنية والدستورية التي تكفل له أن يعيش في بلده متمتعاً بحقوق المواطنة الكاملة، فلإسرائيل الحق في أن تفعل بأبناء الأرض الأصليين ما تشاء، وأن تنكل بهم وتصادر ممتلكاتهم، وهو ما لم تفعله أميركا بالهنود الحمر حتى الآن.
إن القاصي والداني يعرفان أن الهجرات اليهودية إلى فلسطين باتت محدودة بعد هجرة اليهود الروس الشهيرة في بداية التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد أشار الخبير الفلسطيني في شؤون قضايا العودة سلمان أبوستة إلى أن يهود أميركا باقون حيث هم ليشكلوا قوة ضغط لصالح اللوبي الصهيوني في أميركا مما سيجعل النمو الديموغرافي يختل حتماً لصالح الفلسطينيين، فتصبح الدولة اليهودية غير قادرة على البقاء ذات أغلبية يهودية في منطقة تكن لها العداء بسبب عنصريتها وغطرستها، ولذا بدأت إسرائيل والقوى المساندة لها في اجتراح أفكار جهنمية لا تخطر إلا على بال الشياطين.
ولقد بينت الدراسات التي يشرف عليها الدكتور سلمان أبوستة استناداً إلى إحصائيات صدرت عن الأمم المتحدة وإسرائيل نفسها أن أرض فلسطين المحتلة تشكل الكثافة السكانية اليهودية فيها ما نسبته 9% في الشمال والوسط، وما يتبقى لا يزيد على مئتي ألف من السكان يسكنون جنوبي فلسطين.
كما بينت الدراسات أن وضع العراقيل التي تضعها الحكومة الصهيونية في وجه فكرة العودة للاجئين الفلسطينيين هي قضية مفتعلة لا علاقة لها باكتظاظ الأرض بالسكان أو استحالة استيعابهم، والإحصائية الواردة آنفاً تظهر كذب الادعاءات المتتالية التي تريد أن تضفي على النظرية العنصرية البغيضة في عصر حقوق الإنسان وتصفية آثار الاستعمار البغيض طابع الحق والقانون والواقعية.
إن حق اللاجئين الفلسطينيين في أرضهم يجب ألا يكون قابلاً للتصرف من أي كان في العالم، وإذا كان هذا الحق لا يحتاج إلى تبريرات قانونية أو واقعية فإن واقع الحال يكذب زيف الحجج كلها تلك التي تزعم أن الأمر الواقع جعل مسألة استيعاب الأراضي المحتلة للاجئين شيئا من الماضي.
ماذا نقول في هذا الأمر الواقع الذي يجعل قطاع غزة كله الذي لا يشكل في مساحته أكثر من مدينة صغيرة يستوعب مليوناً ونصف المليون من الناس في أضخم كثافة سكانية في العالم في إطار أبشع عملية فصل عنصري، ويمنع المواطنون الفلسطينيون من أرضهم التي يملكونها ويحتفظون بصكوك ملكيتها وهجروا عنها قسراً بفعل الآلة العسكرية الهمجية والمؤامرة العالمية التي اتخذت وتتخذ أشكالاً غير مسبوقة من الجبن والخسة والنفاق وانعدام الضمير؟
إننا ندعو الأطراف جميعاً إلى ألا يجعلوا حق العودة موضوعاً للمساومة؛ إذ كيف يعقل أن يكون حق العودة مباحاً لمن لا يملك ويبدو الحق الشرعي للمالكين محرماً؟ إنها على وجه اليقين شريعة الغاب في العالم المتمدين الذي ما ينفك يتحدث عن حقوق الإنسان ليل نهار، ويتجاهل أكبر مأساة في التاريخ المعاصر.
ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي الذي يقول في قصيدته السينية المشهورة:
كل دار أحق بالأهل إلا في خبيث من المذاهب رجس
أحرام على بلابله الدوح حـلال للطير من كل جنس؟
جامعة الإمارات