في يوم واحد سيطر المقاتلون الموالون لاتحاد المحاكم الإسلامية على خمس مدن بجنوب ووسط الصومال أبرزها مدينة «جوهر» الاستراتيجية، إثر اشتباكات مع القوات الحكومية والإثيوبية، فيما تشهد العاصمة مقديشو اشتباكات عنيفة على مدى الأسابيع الماضية.
بينما أعلن رئيس الحكومة الاثيوبية استعداده للانسحاب من الصومال لو توصلت الحكومة الانتقالية إلى اتفاق سياسي مع المعارضة المسلحة فأين يقع هذا التطور الجديد من تطورات المشكلة الصومالية .. وهل يشير هذا التطور إلى عودة المحاكم الإسلامية لتفرض نفسها من جديد على واجهة الأحداث السياسية الصومالية؟
على مدى الأعوام الستة عشر الماضية وهذا البلد العربي المقسم ذو الملايين التسعة من المسلمين يعيش حرباً أهلية دامية نتيجة حالة الفراغ في السلطة الذي أعقب انهيار نظام الجنرال سياد بري وعمت الفوضى وتبدد الأمن، وانقسمت البلاد المقسمة من جديد إلى دويلات وكانتونات يحكمها أمراء الحرب المتنازعون على النفوذ بما خلف أوضاعاً إنسانية مأساوية..
وفاقم ذلك بروز أهداف صهيوأميركية لتقسيم هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي الهام في القرن الافريقي، مع تنافس أطراف إقليمية على النفوذ في مقدمتها إثيوبيا التي تحتل الصومال الآن، وكانت احتلت إقليم أوجادين الصومالي منذ الاستقلال عن إيطاليا، وتخشى من قيام أي نظام حكم صومالي يسعى لاستعادته خصوصاً إذا كان إسلامياً.
وبعد مؤتمرات المصالحة الوطنية الـ 14 بمثل عدد سنوات الحرب الأهلية بوساطات كينيا والسودان واريتريا تم تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة برئاسة عبد الله يوسف بشرعية إقليمية بمهمة محددة هي بسط الأمن وتوحيد البلاد، لكن هذه الحكومة التي كانت تمارس دورها من نيروبي وليس من مقديشو ثم بعد ذلك من بيداوا وليس من مقديشو فشلت في مهمتها فشلاً ذريعاً، بدليل بقاء العاصمة مقسمة ومتقاتلة بين خمسة من أمراء الحرب وزيادة تدهور الأوضاع في عموم الصومال، مما برر ظهور اتحاد المحاكم الإسلامية بقيادة شيخ شريف أحمد بشرعية شعبية جعلت منها قوة سلطة واقعية على الأرض استطاعت فرض الأمن وتطبيق العدالة.
وبشهادة المراقبين الغربيين فلم يشهد أمل في الأمن والاستقرار والسلام والوحدة قدر الشهور القليلة التي أعقبت انتشار وانتصار اتحاد المحاكم الإسلامية بدعم شعبي على تحالف أمراء الحرب الأهلية المدعومين من الولايات المتحدة الأميركية، وبعد سيطرتها على المدن الرئيسية وتوحيد العاصمة لأول مرة. ونتيجة مخاوف الحكومة الانتقالية من السقوط، أعلن الاتحاد الإسلامي استعداده للتحاور مع الحكومة لتشكيل حكومة وحدة وطنية ورعت الحكومة السودانية دورتين للحوار بين الطرفين مع آمال متزايدة لوضع نهاية لخمسة عشر عاماً من القتال وإعادة توحيد البلاد.
وبينما قارب الطرفان على الاتفاق وحددا دورة ثالثة للقاء في الخرطوم لإعلان هذا الاتفاق حتى تحرك الأميركان وحلفاؤهم الإقليميون لإجهاض اتفاق الوحدة الوطنية الصومالية بالتدخل العسكري الإثيوبي المدعوم أميركياً لاحتلال الصومال لدعم الحكومة الانتقالية وإجبار اتحاد المحاكم الإسلامية على التراجع.
وإذا لم يكن غريباً على الأميركان والصهاينة إفشال جهود السودان لتحقيق هذه الوحدة الصومالية، حيث انهم أعداء الوحدة الوطنية الذين يجهضون حكومة وحدة وطنية في فلسطين وفي لبنان والذين لا يريدون أمناً ولا استقراراً في كل بلد عربي أو إسلامي بل يريدون إغراق بلاد العرب والمسلمين في فوضى غير خلاقة، وإعادة تقسيم المنطقة وفقاً لمشروعهم الاستعماري، وتنصيب الموالين لهم لضمان سيطرتهم وهيمنتهم.
فإن الغريب حقاً هو عدم إدانة الاتحاد الافريقي ولا الجامعة العربية للغزو الإثيوبي بدعوى أنه بطلب من الحكومة الانتقالية الشرعية، نفس دعوى الشرعية الفاقدة للشعبية وللفاعلية وأحياناً للشرعية ذاتها، والمرفوعة كغطاء للانحياز ضد المقاومات الوطنية في البلاد العربية المحتلة في فلسطين والعراق ولبنان والصومال، فلا هم استطاعوا بالسياسة تحرير هذه البلدان من الاحتلال، ولا هم واصلوا ما بدأه السودان من حوار وطني للتوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية بين الحكومة الانتقالية واتحاد المحاكم الإسلامية، ولا هم وقفوا داعمين للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال!