لا شك أن الوجود الكثيف للوافدين على أرض الحكومة الاتحادية قد وصل إلى درجة صاروا معها يشكلون الأغلبية الساحقة بين سكان الإمارات «202 جنسية من حول العالم»، ويستدعي هذا دق ناقوس الخطر؛ فالهوية باتت مهددة، بل إن المجتمع بشكله الحالي صار عرضة للتأثر إذا لم يتم اتخاذ التدابير لتصحيح هذا الوضع.
ومن البداية نحن لا ندعو إلى التحول إلى جزر معزولة تحت شعار الحفاظ على الهوية الوطنية. فمحاولة إنقاذ الهوية الوطنية ليس معناه الذهاب إلى الطرف النقيض، بل كل ما نرجوه هو الوصول إلى نقطة التوازن؛ فنحن من الذين يريدون الحفاظ على تيار الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى، لكن إلى درجة معقولة وعدم تجاوز سقف محدد، وهو الحفاظ على الهوية الوطنية، فلا انفتاح إلى درجة الذوبان والضياع، ولا انغلاق إلى درجة الانعزال أو الاختناق لا «جزر معزولة» تحت شعار «الحفاظ على الهوية الوطنية»، ولا انفتاح وتسامح إلى درجة يصبح معها المواطنون الإماراتيون أقلية في بلدهم!
ولعل الخوف على الهوية الوطنية هو الدافع إلى عقد «ملتقى الهوية الوطنية» الذي نظمته وزارة الثقافة للبحث بشكل معمق في سبل تعزيز الهوية الإماراتية وحمايتها وسط العولمة والزحف الكبير للأجانب، فلا شك أن الهوية الوطنية أصبحت موضع خطر، ولا أدل على ذلك من مشاركة عشرات الشيوخ والوزراء وأعضاء المجلس الوطني الاتحادي والأكاديميين والشخصيات العامة في هذا الملتقى الاتحادي في العاصمة أبوظبي.
وكيف لا يشعر أي مواطن في الأمة الاتحادية بالخطر على الهوية الوطنية، وقد وصلت نسبة السكان إلى حدود 4.15% من مجموع المقيمين على أرض الدولة!! مما يؤكد وجود «خلل في التركيبة السكانية». ويزيد الأمر خطورة إذا ما علمنا أن نسبة المواطنين في قوة العمل على مستوى الإمارات، وصلت إلى أقل من 5%. كما أن عدد سكان مدينة استراتيجية مثل دبي «3» ملايين نسمة، منهم 250 ألف مواطن!
وكيف لا يشعر أي مواطن إماراتي بالخطر وهو يرى اللغة الوطنية تتراجع بسبب التواجد الكثيف للأجانب، أضف إلى هذا التهديدات الدينية الآتية من أشخاص يحملون ديانات أخرى وهي تهديدات يمكن أن تؤثر على الهوية الدينية الوطنية، ومما يزيد الأمر خطورة أن السكان الأجانب صار لهم سطوة، من خلال أعمال الشغب والتحركات الاحتجاجية للعمال الوافدين.
من جهة أخرى يمكن لأي مواطن إماراتي يسير في شوارع أو طرقات دبي مثلاً، أن يرى الأعداد الغفيرة من الآسيويين، وهنا سوف يشعر أنه كاد أن يكون غريباً في وطنه.
كما ذكرنا آنفاً .. نحن من الداعين إلى الانفتاح على الآخر؛ والتنوع الحضاري والثقافي؛ ومع ذلك يجب عدم الإفراط والتفريط، فالوسطية هي سمة كل أمر صحيح، وهي صفة لأي تيار معتدل؛ ومن ثم يجب التأكيد على خطورة الانفتاح أكثر من اللازم؛ فلابد أن توجد نوافذ في بيوتنا، لكن لابد أيضاً أن يكون لها أبواب تحميها، أخي المواطن الاتحادي أنت مثلاً ترحب بضيوفك، لكنك لا تسمح لهم أن يكونوا أصحاب وجود طاغ تضيع معه كينونة عائلتك!
ولعل هذا هو الدافع الذي حرك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، للالتقاء بلجنة التركيبة السكانية، وتأكيد سموه على العلاقة القوية بين الهوية الوطنية والتركيبة السكانية، ومن هنا بات التفكير في حل المشكلة أمراً ضرورياً، ولابد من استراتيجية اتحادية محددة المعالم، ويمكن أن نقترح مبدئياً مجموعة من الحلول.. لعل وعسى..!
1 ـ لابد من وضع حد أقصى لعدد الأجانب المقيمين ضمن الحدود الاتحادية، ألا يتجاوز مثلاً نسبة الأجانب 60% من المواطنين في المرحلة الأولى، ثم تخفيض هذه النسبة تدريجياً، إلى 50% ثم إلى 40%، حتى تصل إلى 30% والهدف من التدرج في النزول بنسبة الأجانب هو عدم حدوث خلل في بنية العمالة يؤثر على اقتصاديات الدولة.
2 ـ تنبيه الأسرة الإماراتية إلى دورها الحيوي في الحفاظ على الهوية الوطنية، ومن خلال غرس قيم الولاء والانتماء في الأبناء، وتحذيرهم من مغبة تقليد الغرب أو الشرق الأقصى، وتدعيم العادات والتقاليد الإماراتية، ولا يكفي أن يتم هذا من خلال المواعظ والنصائح، بل لابد من أن يحرص الآباء والأمهات في تربيتهم على مجموعة من السلوكيات الوطنية اليومية، والحرص على التحدث باللغة العربية. ولا مفر من التنبيه في هذا السياق إلى خطورة ترك الأبناء لتربية الخادمات الأجنبيات؟ فهنّ يلقنّ أبناءنا لغتهن، وعاداتهن وثقافتهن!
3 ـ يجب مراجعة مجموعة السياسات والممارسات في التعليم، من أجل المساهمة في الحفاظ على ملامح ثقافتنا، وترسيخ الهوية الوطنية لشعب الدولة الاتحادية، وأول ما يجب عمله، هو تعديل مناهج التعليم لكي تكون أكثر تركيزاً على الهوية الوطنية، مع الاعتماد على المدرسين الوطنيين.
4 ـ تغيير استراتيجيات ووسائل الإعلام لتصب في الحفاظ على هويتنا الوطنية، وعدم الانسياق الأعمى وراء الفضائيات المنفلتة التي تقلد الإعلام الغربي تقليداً أعمى.
5 ـ على الجهات المختصة أن تفكر في وصنع سقف لتملك الأجانب للعقارات، من خلال وضع شروط ونسب محددة.
6 ـ تشجيع المواطنين على الزواج، ومكافحة العنوسة، وزيادة الإنجاب، حتى يزيد عدد المواطنين، وحتى لا تصل الدولة إلى مرحلة الشيخوخة، وهو الخطر الذي تنبهت له أوروبا.
7 ـ ضرورة أن يشغل المواطنون الوظائف، وأن تكون لهم الأولوية القصوى في ذلك، وإذا كانت العمالة الأجنبية أكفأ في بعض الأحيان، فالحل ليس في تنحية المواطن لصالح الأجانب، بل الحل هو تدريب المواطنين والارتقاء بمهاراتهم لكي يكونوا أفضل من الأجانب وبالتالي يكونوا مؤهلين لتولي هذه الوظائف.
8 ـ لابد من إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي تؤدي للاعتماد على العمالة الأجنبية.
9 ـ يلزم وضع قيود على المتاجرة بالتأشيرات التي تؤدي إلى فتح المجال أمام أعداد فائضة من العمالة.
10 ـ لابد من الاستفادة من تجارب الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية التي اتخذت إجراءات لمواجهة نفس الخطر الذي يواجهنا وتتعرض هي الأخرى لضياع الهوية الوطنية.
ومن الضروري التنبيه في نهاية هذا المقال إلى أنه إذا كانت هوية الإمارات الثقافية هي اللغة العربية والإسلام، فلا خوف من الجنسيات العربية.. لكن يأتي الخوف من الجنسيات الآسيوية والأوروبية سواء أوروبا الشرقية أو الغربية، مع التأكيد مجدداً أننا لان نعادي وجود تلك الجنسيات الحاملة لهويات مخالفة لهويتنا، ولكننا نرفض أن يكون لها الوجود الطاغي المهدد أيضا لوجودنا.
«إننا نريد أن نظل إمارات متحدة لا أمماً متحدة!».
جامعة الإمارات