من فرط تأثره تجاه ما يعتبره جرائم حرب في دارفور أفرزت قتلى بالآلاف ولاجئين بالملايين وحوادث اغتصاب تجل عن الحصر قال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو: «إنني استيقظ في كل صباح وأفكر في هؤلاء الناس».
«هؤلاء الناس» ليست إشارة إلى الضحايا وإنما إلى الشخصين السودانيين المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية باتهامات التحريض على جرائم الحرب: الوزير أحمد هارون والزعيم القبلي علي كشيب.
المدعي العام أوكامبو (الأرجنتيني الجنسية) يحب أن يعرض نفسه على وسائل الإعلام العالمية كمهني قانوني دولي ذي ضمير إنساني لا هاجس له سوى ملاحقة مرتكبي جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. لكن يبدو أن ضميره القانوني الإنساني لا يستيقظ إلا على نحو انتقائي مستهدفاً فقط شخصيات قيادية في بلدان العالم الثالث التي تسهل الاستهانة بها خاصة إذا صدرت أوامر الملاحقة في مثل هذه الأحوال من حكومات غربية.
لدى أوكامبو قائمة تشمل بالإضافة إلى الشخصيتين السودانيتين شخصيات أخرى في كل من أوغندا وإفريقيا الوسطى والكونغو (كنشاسا) يعتزم أيضاً المدعي العام مطاردتها في مرحلة لاحقة.
هذا كل ما هنالك. فالقائمة لا تشمل مثلاً تلك الشخصيات القيادية الأميركية التي حرضت ولاتزال تحرض على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في العراق وأفغانستان.. كما أنها تخلو من أسماء إسرائيلية مثل إيهود أولمرت وإيهود باراك تدبر وتنفذ على نحو يومي سلسلات لا تنتهي من مجازر بحق مدنيين فلسطينيين بما في ذلك أسر بأطفالها ونسائها.
للمدعي العام الدولي أوكامبو أن يدعي لنفسه ما يطيب له من الغيرة المهنية القانونية وأن يدعي ما يشاء من يقظة الضمير، لكن هل يتجرأ على فتح بلاغات جنائية ضد ثلاثة رجال يعتبرون أكبر مجرمي الحرب في هذا العصر: دونالد رامسفيلد وديك تشيني وجورج بوش؟
فضيحة سجن أبو غريب في العراق تتحدث عن نفسها بنفسها من خلال بشاعة الصور التي عرضت، بل قيل أن ما لم يعرض كان أبشع، لكن هناك أيضاً مذبحة الفلوجة التي طالت آلافاً مؤلفة من المدنيين الأبرياء، وعلى أية حال فإن أرقام ضحايا الغزو الأميركي تقدر بنحو 600 ألف قتيل كحد أدنى ومليون كحد أعلى.
أوكامبو يقول ان الوزير والزعيم القبلي السودانيين تسببوا في اضطرار 2.5 مليون دارفوري إلى النزوح واللجوء. لكن ليس لديه ما يقول عن أربعة ملايين عراقي مشردين ما بين نزوح ولجوء، وماذا عن ملايين اللاجئين الفلسطينيين، و«حق العودة»؟ وألا يعرف أوكامبو من المتسبيين في محنتهم؟
ربما يرجع المدعي العام الدولي إلى نصوص القانون الدولي وقانون المحكمة الجنائية الدولية ليقول لنا انه ليس بوسعه قانوناً فتح بلاغات جنائية على بوش وتشيني ورامسفيلد لأن الولايات المتحدة ليست بين الدول الموقعة على ميثاق إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وبالتالي لا ينطبق عليها هذا الميثاق، هذا دفع قانوني لا شك في صحته.
ولكن: ماذا عن السودان.. فهو أيضاً لا وجود لتوقيعه على ميثاق المحكمة، هل نبالغ إذن إذا زعمنا أن المحكمة الجنائية الدولية أداة بيد القوى الغربية لتسييس القانون بما يلائم أهدافاً انتقائية للتعامل العربي مع دول العالم الثالث المستضعفة؟