الأولوية التي حدّدها الأمين العام للأمم المتحدة،كي مون، بشأن أزمة الغذاء في العالم؛ لا جدال في وجاهتها. كذلك هي دعوته، لوضعها موضع التنفيذ. فالمشكلة ضاغطة ومن النوع الذي لا يحتمل التأجيل أو التعاطي معها بالاستنساب. ارتفاع الأسعار الجنوني، الذي ضرب معظم السلع وبالتحديد الأساسية منها؛ تسبب بوضع حوالي مئة مليون إنسان على حافة الجوع القاتل. الإنقاذ السريع، بات الخيار رقم واحد.

وفي هذه الحالة كان من الطبيعي أن تكون الأمم المتحدة، في طليعة الساعين والعاملين لضمان حصول مثل هذا الإنقاذ. لكن دور الأمم المتحدة هنا لا يتعدّى المساعدة المباشرة والتحفيز. وبذلك هو دور آن لسدّ الحاجة الراهنة؛ بينما الأزمة، بحكم طبيعتها، محكومة بالتجدّد؛ في غياب المعالجات الطويلة الأمد؛ التي تتصدّى لها في الجذور.

في اجتماع سويسرا، على مدى يومين؛ الذي ضمّ كبار مسؤولي الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية؛ شدّد الأمين العام على إعطاء الأولوية «لإطعام الجياع»، في العالم. فالمسألة عاجلة ولا مجال فيها لترف التفرج. وفي إطار هذا التوجه، دعا إلى تشكيل ما سمّاه «خلية أزمة»، لمتابعة هذه الحالة الطارئة؛ لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ـ التي زادت بنسبة 50% خلال سنة واحدة ـ ، يضع المجتمع الدولي أمام تحديات كبيرة. من جملة هذه التحديات، تلبية «حاجة برنامج الغذاء العالمي إلى مبلغ 755 مليون دولار للمعونات العاجلة»، للجياع في العالم. البديل انتشار المجاعات وسوء التغذية وما ينتج عن ذلك من اضطرابات.

الواضح من نداء كي مون، أمران: - أن هناك ما يشبه حالة طوارئ عالمية، تختزن مخاطر كبيرة؛ قابلة لتفريخ مسلسل لا ينتهي من الأزمات والكوارث. - أن ما يدعو إليه ويطرحه، يبقى في حدود التصدّي لتحدّيات اللحظة وليس لمسبباتها وجذورها. «إطعام الجياع»، واجب إنساني نبيل.

فضلاً عن أنه يخدم الأمن الصحي والاجتماعي، العالمي . لكنه حل مؤقت. الحل المطلوب، ليس في إشباع الجياع فقط؛ بل هو في منع الجوع. كما أنه ليس في توفير الأموال للمعونات العاجلة اللازمة لشراء السلع، على أهمية ذلك وما يستحقه من تقدير، لكنه في تأمين الاستمرارية لتدفق هذه السلع وضمان توفرها. فهي إما أن تتوفر، وإما الجوع. لا ثالث بينهما.

وهذه مهمة لا يتحقق انجازها من دون وضع الإصبع على أسباب النقص، الذي أدّى إلى الشحّ وبالتالي إلى ظهور شبح الجوع، بهذه الصورة المقلقة. من المتداول، في هذا الخصوص، ضمور الاستثمارات الزراعية - خاصة في العالم العربي، الذي يقول الخبراء إنه لو تعاونت دوله فيما بينها، فإن بإمكانها تحقيق الاكتفاء الغذائي؛ في مدى أربع إلى خمس سنوات - . كذلك، هناك ضعف استخدام التقنيات الزراعية وارتفاع التعرفة على الاستيراد وغير ذلك .

قد تكون هذه العوامل أو بعضها قد ساهمت في موجة الغلاء الراهنة. لكنها ليست عوامل طارئة. فهي قائمة من زمان، بدرجة أو بأخرى. الجديد الذي طرأ هو اللجوء إلى استقطاع كميات كبيرة من الإنتاج الزراعي، خاصة من الحبوب، لاستخدامها في إنتاج الطاقة البديلة عن النفط. مهما كانت المبررات والمسوغات، فإن مثل هذا التحويل ينطوي على عملية تجويع.؛ لا فرق إن كان عن عمد أو بدافع تجاري صرف.

النتيجة مؤذية. وأزمة الغذاء اليوم، أحد الجوانب القاسية لهذا الأذى. بالتصدّي لكل هذه الأسباب، يصح الحديث عن الحل الشافي. في غيابه تبقى المعالجات، بأحسن أحوالها، في حدود الترقيع؛ ويبقى الجوع الحاضر المتجول في العالم.