تروج وسائل إعلام «عربية» لأخبار ومعلومات مغلوطة وأكاذيب حول سورية، وتتحدّث عن برنامج نووي سوري قد يكون عسكرياً، وعن نية إدارة الرئيس بوش فرض عقوبات جديدة على دمشق وغير ذلك من فبركات خجلت الإدارة الأميركية نفسها من التحدث عنها والتسويق لها.

نستطيع تفهم الموقف الأميركي والاتهامات التي تطبخ في كواليس وسراديب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ضد سورية، فهذا أمر متوقع وصار الخبز اليومي للإدارة الأميركية التي ناصبت سورية العداء على مدى سبعة أعوام. ‏

لكن الشيء الذي لا نستطيع هضمه أن يتبرع بعض العرب وصحفهم وفضائياتهم لتبني هذه الأكاذيب والافتراءات الأميركية، بل يذهب بعضهم إلى حد الاجتهاد واختراع معلومات جديدة مبنية على خيالات مريضة ومن ثم تقديم كل ذلك على شكل وجبة مسمومة لتشويه صورة سورية ومواقفها مع بهارات من الحقد والشماتة والتحامل. ‏

ومع أننا ترفعنا دائماً عن الرد على مثل هذه الأقلام المشبوهة وغير الموضوعية، بل المغرضة أيضاً، إلاّ أن ذلك يجب ألاّ يفهم على أنه ضعف أو تسليم بالأمر الواقع، أو عجز عن دحض تلك الافتراءات بالحقائق الدامغة، بل يجب أن يعرف المفترون أن سورية أكبر من أن تنحدر في خطابها السياسي والإعلامي إلى هذا المستوى المتدني من الخطاب الهابط الذي يحمل في طياته كل معاني الحقد والكراهية والارتهان للأجنبي. ‏

سورية كانت هكذا على الدوام، تنأى بنفسها عن الانخراط في مهاترات ومساجلات تقدم خدمة مجانية لأعداء العرب الذين هم أولاً أعداء سورية، وهي اليوم أكثر حرصاً على التمسك بهذا النهج انطلاقاً من إيمانها بعروبتها وبهويتها الوطنية والقومية، خاصة أنها تقود العمل العربي المشترك رئيسة للقمة العربية، من أجل تجاوز الخلافات والسعي لتنقية الأجواء العربية وإحياء التضامن العربي. ‏

وإذا كنا نشير إلى كل هذه الأمور التي تندرج في إطار حملة متعددة الجنسيات على سورية، فإنما كي يدرك المتحاملون على دمشق وسياساتها القومية، والمروجون للأخبار الكاذبة التي تطلقها إدارة الرئيس بوش ومعها إسرائيل أنهم يتسببون بالأذى لأنفسهم ودولهم وشعوبهم أولاً قبل أن يتسببوا بالأذى لسورية. ‏

فنحن نعرف نبض الشارع العربي المتضامن مع سورية ومواقفها في وجه الضغوطات والاتهامات والتهديدات، فهذا الشارع بات من النضج إلى الدرجة التي تمكنه من التمييز بين الغث والسمين، وبين الصدق والأكاذيب، وبين الوطنيين والمرتهنين للخارج المتمسحين به والمنفذين لأوامره. ‏

الغريب في هذه الجوقة السياسيةـ الإعلامية، أنها عندما تتبنى الفبركات والأكاذيب الأميركية، تتعمد تجاهل الموقف السوري، بل تتجاهل التقارير والتصريحات والمواقف العربية والدولية التي تؤكد صدقية الموقف السوري. ‏

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على النيات السيئة التي تقف وراء هذا الانجراف وراء السيد الأميركي ومسايرة خطابه وتقليده في كل شيء، حتى عندما يتعلق الأمر بالتسميات والمصطلحات، فيصبح الشهداء بمن فيهم الأطفال والرضع، قتلى، وتتحول المقاومة إلى عنف وحتى إلى إرهاب إلى آخر هذه المصطلحات المعروفة المنشأ. ‏

أما عن منبع هذه الافتراءات التي توزع هنا وهناك، فقد صار معلوماً للعالم أجمع أن واشنطن صارت مصنعاً كبيراً للأكاذيب، بل تحولت هذه الأكاذيب إلى سياسة رسمية لدولة عظمى تشن الحروب وتقتل الشعوب وتسرق ثرواتها وخيراتها استناداً إلى أكاذيب وتقارير مفبركة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، والأدلة أكثر من أن تحصى واسألوا وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول، فهو من فضح بنفسه أكذوبة العصر. ‏

نعرف تماماً الأهداف الخبيثة وراء هذا الافتراء الأميركي ـ الإسرائيلي على سورية، ولكن هذه الأساليب الترهيبية والإرهابية لا يمكنها أن تجبر سورية على التخلي عن سياساتها ومواقفها، وستظل تعمل من أجل قضية العرب الأولى، دفاعاً عن الحق والعدالة والحرية والسلام، مهما تفنن الأعداء في طبخ أطباقهم المسمومة، ومهما مارسوا من ضغوط وأطلقوا من تهديد ووعيد، ومهما تبرع المتبرعون في الترويج لبضاعتهم الفاسدة التي لم تعد تباع في أي مكان من العالم بفضل وعي الشعوب وإدراكها وحسها الصادق