لم تنتب كثيراً من أفراد المجتمع في الإمارات، مواطنين كانوا أو مقيمين حالة استغراب مما كشفت عنه القيادة العامة لشرطة أبوظبي منذ يومين، وهو تورط إماراتي مع آخرين في قضية احتيال واستيلاء على مبلغ 400 مليون درهم من 2500 شخص، بعد الإيقاع بهم وإيهامهم بتشغيل تلك الأموال من خلال محفظة استثمارية في مجالات العقارات وتجارة السيارات والطائرات والأغذية، والسبب في عدم وجود حالة الاستغراب تلك هو ان ذلك أصبح في عداد حالات نصب واحتيال أخرى يقوم بها لاهثون وراء الثروة السريعة، سواء كانوا أفراداً أو حتى شركات ومشاريع، فهؤلاء باتوا يعتقدون ان جني المليارات والملايين يأتي بسهولة، وبضربة حظ في دولة كالإمارات، التي يريد كل منهم أن يكون له نصيب في ملياراتها حتى وان كان ذلك بالنصب والاحتيال!!
المتورطون في قضية المحفظة الوهمية زاولوا نشاطهم رغم أنهم لا يملكون ترخيصاً يخولهم مزاولة مثل تلك الأنشطة، والضحايا صدقوهم وآمنوا بمشاريعهم التي يروجون لها دون ان يفطن أحدهم إلى أهمية وجود ترخيص لمزاولة ذلك النشاط، والسبب في ذلك كله هو الخوف من تفويت فرصة مالية يكسبون فيها الأرباح والملايين، سواء كانوا جناة أو ضحايا، والنتيجة اختصرت في قضية وتحقيقات ومحاكم ربما تؤخر إجراءاتها إعادة تلك الأموال إلى أصحابها وبالتالي تعطيل الاستفادة منها، ليصبح كل منهم كما يقول «كأنك يابو زيد ما غزيت»!!
قضية النصب والاحتيال التي أشرنا إليها والتي سبقتها قضايا أخرى شواهدها في محاكم الدولة وسجونها وصحفها تؤكد حقيقة ان التنمية الاقتصادية السريعة التي تشهدها الدولة، وما يترتب عليها من إعلان عن مشاريع بمليارات الدولارات، وما يتبع ذلك من إعلانات عن رابحين في هذه المشاريع، ذلك كله فتح شهية الجميع وشجعهم للدخول في السباق المحموم نحو الغنى والثراء وان كان الطريق إلى ذلك ليس مشروعاً.
وهو أمر ترتبت عليه أمور في غاية الخطورة أبرزها وجود أفراد جشعين يستغلون جهل الناس وحاجتهم للمال من خلال إغرائهم وان كان ذلك الإغراء بعيداً عن العقل والمنطق وخارج كل الحسابات الرياضية، وصرف فئة كبيرة من الأفراد عن فكرة الاستثمار بشكل عام خوفاً من الوقوع ضحايا في سوق أصبحت تعج بأفراد بددوا ملايين الدراهم في مشاريع وهمية، وقللوا من ثقة بعض المستثمرين في المشاريع الاقتصادية، وهو الأمر الذي سيؤثر سلباً على البيئة الاستثمارية في الدولة ما لم تضع الجهات المسؤولة في الدولة استراتيجيتها لمواجهة الباحثين عن الثروات بالنصب والاحتيال، وللحفاظ على أموال أفراد يتطلعون لفرص يحظون فيها ولو بأقل القليل من عوائد الاستثمار الذين سئموا دور المتفرج عليه ورغبوا في خوض غماره.
التنمية الاقتصادية تبقى حاجة في دولة كالإمارات تتطلع لتحقيق مستقبل مزدهر، لكن خطوات التنمية خاصة ان كانت سريعة على النحو الذي نراه في واقعنا تتطلب قوانين ولوائح تنظيمية وإجراءات وحملات توعية اقتصادية مكثفة لحماية المجتمع من أي آثار سلبية من الممكن ان تضيع جهوداً وأموالاً وثقة لم يكن الوصول إليها بالأمر الهين. وهو الدور الذي لابد وأن تضطلع به الجهات المختصة التي لا ينبغي ان تكثف تصريحاتها وإعلاناتها فقط بعد وقوع الفأس في الرأس.
