نشرت صحيفة «النيويورك تايمز» مؤخراً تقريراً لم يلق اهتماماً يذكر في عالمنا العربي. ولا ترجع أهمية التقرير إلى أنه يلقى ضوءاً ساطعاً على مدى نفوذ المجمع العسكري الصناعي بل وتواطؤ الإعلام الأميركي وإنما لأنه يمثل تجسيداً جديداً للكيفية التي يتم بها صنع الرأي العام الأميركي وتضليله. وهى مسألة بالغة الأهمية لنا نحن العرب لأنها تؤثر تأثيراً مباشراً على مصالحنا.

يحكي التقرير كيف نجحت «البنتاجون» في اختراق وسائل الإعلام الأميركية «المستقلة» بهدف تقديم تغطية مؤيدة لسياسات إدارة بوش فيما يتعلق بما يسمى «الحرب على الإرهاب» عموماً وبشأن العراق على وجه الخصوص.

فقد تبين أن من تقدمهم قنوات التلفزيون الأميركية المختلفة من جنرالات متقاعدين تحت مسمى «محللين عسكريين» للتعليق على الأحداث لا يمكن في الواقع أن يقدموا رؤية موضوعية على أي نحو. ففي إطار حملة عمدية ومنظمة استطاعت وزارة الدفاع الأميركية استقطاب هؤلاء واستخدامهم فصاروا في واقع الأمر يلقون على المشاهد تحليلات وآراء هي في الأصل من صنع وزارة الدفاع!

وقد استغلت «البنتاجون» في ذلك رغبة هؤلاء العسكريين المتقاعدين في حماية مصالحهم. فالغالبية من أولئك الجنرالات الذين يستضيفهم الإعلام لهم ـ منذ تقاعدهم ـ ارتباطات عمل وثيقة بالصناعة العسكرية التي تحقق أرباحاً خيالية من وراء الحصول على عقود بالمليارات منالبنتاغون في إطار القيام بتنفيذ سياسات الحرب على الإرهاب، وهى الحرب نفسها التي يفترض أن يقدم هؤلاء تحليلاً «موضوعياً» لها.

فقد تبين أن إدارة بوش استخدمت سيطرتها على المعلومات العسكرية وراحت تقدم لأولئك الجنرالات المتقاعدين المعلومات التي يحتاجونها للتعليق على الشاشة، عبر دعوتهم بانتظام للوزارة ومنحهم فرصة للقاء كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين فيها.

وهو الأمر الذي يرفع بالضرورة سعرهم لدى قنوات التلفزيون التي يعملون لحسابها ويسمح في الوقت ذاته للوزارة بعقابهم إذا ما تخطوا الخطوط الحمراء وانتقدوا السياسة المتبعة عبر حرمانهم من تلك اللقاءات. ولأن أولئك «المحللين» لهم مصالح تتعلق بارتباطاتهم بالصناعات العسكرية فإن من مصلحتهم أيضاً عدم إغضاب مسؤولي وزارة الدفاع لأن في يدهم توزيع العقود على تلك الشركات والصناعات التي يعملون لحسابها.

وبالطبع لا يقول أحد أي من هذا للمشاهد الأميركي الذي يتلقى «تحليلات» أولئك العسكريين باعتبارها رؤى تصدر عن «خبراء» لا مصلحة لهم في تأييد أو مناهضة السياسة العسكرية للإدارة الحالية.

ولا يقل خطورة عن كل ذلك الأداء البائس للإعلام الأميركي. فقد تبين أن المحطات المختلفة ـ التي تدفع لهؤلاء العسكريين المتقاعدين نظير مشاركتهم في برامجها ـ لم تخضعهم للمعايير المهنية المتعارف عليها والتي تطالب من يعملون لديها بالإفصاح عن أي ما قد يمثل تعارضاً في المصالح أو يفقد المصداقية.

بعبارة أخرى، كشف التقرير عن تواطؤ الإعلام الأميركي مع شبكة المصالح التي تقف وراء عسكرة السياسة الخارجية الأميركية.

ولا جديد في الواقع فيما يتعلق بالنفوذ الهائل للمجمع العسكري الصناعي فهو أمر يعرفه القاصي والداني منذ أن حذر منه الرئيس أيزنهاور في خطبة الوداع التي ألقاها في نهاية ولايته.

ولا يوجد جديد حتى فيما يتعلق بتواطؤ الإعلام الأميركي. فهناك عشرات الوقائع منذ أحداث سبتمبر التي توثق لانحناء الإعلام الأميركي المكتوب والمرئي والمسموع لرغبات إدارة بوش بل وممارسته رقابة ذاتية انصياعاً لتكتيكات العقاب التي مورست على الصحافيين عبر حرمانهم من المعلومات.

لكن أهمية التقرير تعود في ظني إلى أنه يذكرنا نحن العرب بواحدة من خصائص النظام السياسي الأميركي والتي يغفلها الكثيرون عند تحليل سياسة أميركا الخارجية والتعامل معها. فكون الولايات المتحدة ذات إعلام مستقل وبالغ التعددية لا يعني بالضرورة أن المواطن الأميركي يحصل من خلال إعلام بلاده على ما يمكنه من اتخاذ قرارات سليمة ناهيك عن تكوين رؤية واضحة عما يحدث في العالم. فهي رؤية مصنوعة صنعاً تلعب المصالح القوية دوراً محورياً في تشكيلها.

والإعلام الأميركي ـ شأنه شأن كل المؤسسات الهادفة للربح ـ يتعامل مع المعلومات كسلعة لها ثمن وتخضع لمنطق المكسب والخسارة. ولهذا فهو يقتصد لتحقيق الربح. فعلى سبيل المثال قامت الصحف الأميركية الكبرى والقنوات الفضائية المختلفة منذ سنوات بتخفيض عدد مراسليها حول العالم. وفضلاً عن ذلك، صارت أغلب وسائل الإعلام مملوكة لعدد محدود للغاية من الشركات العملاقة.

وعلى ذلك، صحيح أن هناك عدداً لا نهائياً من الصحف ولكنها في النهاية تقدم المادة نفسها والرؤية نفسها. ولأن منطق الربح والخسارة هو المهيمن، فإن الإعلام هو أحد الساحات المهمة التي تتنافس فيها المصالح المختلفة.

بل يمكن القول انها ساحة المنافسة الأهم على الإطلاق لأنها التي يتم فيها صناعة الرأي العام الأميركي بما يخدم تلك المصالح. وما قامت بهالبنتاغون ليس أمراً استثنائياً من زاوية استخدامه آلية طالما استخدمتها المصالح المختلفة، وهى مجرد واحدة من آليات عديدة تستخدم في صناعة الرأي العام الأميركي بشأن القضايا المختلفة.

وليس سراً أننا نحن العرب قد تجاهلنا ساحة الإعلام بالكامل ولم ننتبه أبداً إلى أننا بذلك تنازلنا عن الساحة طوعاً لخصوم المصالح العربية. فعلى سبيل المثال يقوم الإسرائيليون بمتابعة دؤوبة على مدار الساعة لكل ما يقال عن إسرائيل وسياستها في الإعلام الأميركي، فإذا ما وجدوا أي انتقاد هنا أو هناك لا تمر أكثر من ساعات قليلة حتى تكون الوسيلة الإعلامية قد تعرضت لسيل من رسائل الاحتجاج والغضب بل والتهديد بسحب الإعلانات والاشتراكات. ولأنه إعلام هادف للربح فإن تلك الحملات هي المدخل لممارسة الرقابة الذاتية.

وصمت الإعلام يعني صناعة الرأي العام في اتجاه بعينه وهو الخطوة الأولى نحو صنع السياسة على نحو بعينه. بعبارة أخرى لا توجد مؤامرة ولا يوجد ما هو استثنائي فيما يفعله أنصار إسرائيل. كل ما في الأمر هو أنهم يفهمون آليات النظام الأميركي ويستخدمونها كلها. أما نحن، فقد تركنا لهم الساحة طوعاً بتجاهلنا الكامل لها.

كاتبة مصرية