واحدة تلو الأخرى تنتفض شعوب أميركا الجنوبية لتصعد من صفوفها زعامات من طراز جديد ترفض اقتصاد السوق الحر وترد الاعتبار للقطاع وتدخل الدولة في حركة الاقتصاد الوطني وتعلن مناهضتها للنفوذ الاقتصادي الأميركي.
أحدث موجات التغيير أتت بزعيم يساري جديد ـ فيرناندو لوغو ـ ليكون رئيساً لجمهورية بارغواي ولينضم إلى قائمة زعامات أخرى من نفس الطراز أبرزها هوغو شافيز في فنزويلا وايغو موراليس في بوليفيا ورفائيل كوريا في إكوادور وأورتيغا في نيكاراغوا.
ورغم أن إيقاع التغيير أو أسلوبه يتفاوت بين أولئك الزعماء ـ وربما تختلف برامجهم أيضاً ـ إلا أن هناك رؤية واحدة عامة مشتركة فيما بينهم وهي أولاً إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني على أساس تخطيط مركزي وإدارة حركة الاقتصاد تحت إشراف الدولة مع إعادة سيطرتها على القطاعات والمؤسسات ذات الطبعة الاستراتيجية بالمفهومين الاقتصادي والاجتماعي. وثانياً تشكيل جبهة اقتصادية سياسية من هذه الدول في مواجهة الولايات المتحدة. والمؤسسات «الدولية» التي تستخدمها واشنطن ـ مثل صندوق النقد الدولي ـ لذراع مالية لسياستها الخارجية.
وإجمالاً يمكن أن نقول ان ظاهرة التغيير التي تجتاح بلدان أميركا الجنوبية ـ والتي وصفها كاتب أميركي بأنها «تسونامي اقتصادي واجتماعي» هي نتاج تراكمات من التذمر الشعبي ضد نظام اقتصاد السوق الحر الذي فرضته الإدارات الأميركية المتعاقبة عبر أنظمة حاكمة ديكتاتورية أو أنظمة صعدت إلى السلطة من خلال نظام «ديمقراطي» ديكوري.
والنموذج الذي أفرزه اقتصاد السوق في بلدان أميركا الجنوبية لا يختلف جوهرياً عن النموذج المطبق في عدد من بلدان العالم العربي، فالملامح العامة واحدة: تفكيك القطاع العام عن طريق برمجة منظمة لخصخصة مؤسساته وشركاته، وبيع هذه المؤسسات والشركات بتراب الفلوس إما إلى رجال أعمال محليين يمثلون شريحة ضئيلة مرتبطة عضوياً بالنظام الحاكم أو إلى أصحاب رؤوس أموال أجانب، وبعد ذلك يقوم النظام الحاكم بإصدار تشريعات بهدف تهيئة وضع احتكاري للمؤسسات والشركات المخصصة تحت ملكيتها الجديدة مما يتيح لها التحكم الكامل في تسعير منتجاتها التي غالباً ما تدخل في باب السلع الأساسية الضرورية من الدقيق الذي يدخل في صنع الخبز إلى الأسمنت الذي يدخل في عمليات بناء المساكن.
لكن دور النظام لا يقتصر على إصدار القوانين الملائمة لمصالح شريحة رجال الأعمال بل يشمل أيضاً مهمة القمع المنظم ضد تذمر الفئات الشعبية التي من المحتم أن يتفجر من حين لآخر بسبب تصاعد موجات الغلاء، ويمكن أن نتصور بشاعة الوضع إذا أخذنا في الاعتبار أيضاً أنه بمقتضى نظام السوق تتخلى الدولة عن دورها في مجالات الخدمات الاجتماعية الأساسية خاصة العلاج والتعليم حيث يتحولان إلى سلعة تجارية خاضعة لاعتبارات الربح والجشع.
مع اتساع دائرة البؤس والشظف المعيشي وهوان الكرامة الإنسانية ضاقت شعوب أميركا الجنوبية ذرعاً بالوضع، فتصاعدت الدعوة إلى التغيير الشامل، فهل لقيت شعوب العالم العربي مضمون هذه الظاهرة؟