مازلت مصراً على أهمية نقل الحوار المهم الدائر حالياً في الإمارات العربية المتحدة حول حرية التعبير والرأي إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي ليس فقط للتشابه الكبير بين ظروف تلك الدول سياسياً واجتماعيا ولكن لأن المنطقة كلها بحاجة إلى حوار جاد حول ضرورة حرية التعبير ومستوى أداء المؤسسات الإعلامية.

ومازلت مصراً على تفاؤلي بأن الإمارات العربية المتحدة ستلعب (أو لابد أن تلعب) دوراً مهماً على صعيد تطوير أداء المؤسسات الإعلامية وتنفيذ مشاريع إصلاحية على أصعدة كثيرة تشمل حرية التعبير والمشاركة السياسية ليس فقط لأنها ضمن الأقدر في المنطقة بحكم الاستقرار السياسي (و الأمني) الذي تنعم به ولكن أيضاً - وهذا في غاية الأهمية - لأنها قد شرعت في مشاريع اقتصادية عملاقة ذات علاقة وثيقة بالحراك الاقتصادي العالمي الذي يتطلب انفتاحا سياسياً وإعلامياً. فمن غير المعقول أن يتحقق نجاح اقتصادي بموافقات ومقاييس عالمية من دون مناخ سياسي شفاف واستقلال قضائي ومن غير إعلام جريء ومستقل.

ولهذا يمكنني أن أطمئن الصديق الدكتور عبد الخالق عبد الله أنني لا أُحمل الإمارات أكثر مما تحتمل حينما أتنبأ أن تقود دولة الإمارات مشاريع إصلاحية جادة في المنطقة لأنها الآن تلعب دوراً إيجابياً في التغيير (خاصة على الصعيد الاقتصادي) بدليل أن ما تعيشه حالياً من تنمية ومشاريع عملاقة صار محل نقاش ومضرباً للمثل في أغلب المحافل الإقليمية والدولية التي تناقش واقع المنطقة العربية كلها.

في مقالته بصحيفة الخليج (بتاريخ 22-4-2008) بعنوان (نحو ضبط وربط الحوار الوطني)، استعرض الدكتور عبد الخالق عبد الله كثيرا من الردود والتعليقات التي ساهمت في الحوار الذي بدأه الدكتور عبد الخالق والدكتورة عائشة النعيمي حول حرية الصحافة في الإمارات ومن ضمنها إسهامي المتواضع في هذا الحوار.

قناعتي راسخة بأن واحدة من أهم الأولويات لتحقيق الإصلاح في المنطقة العربية تأتي من خلال إفساح مساحة أكبر للتعبير الحر عبر صحافة نزيهة ومستقلة.

ومثلما لعبت الكويت - قبل الغزو - دوراً إقليمياً حيوياً ومهماً على صعيد العمل الإعلامي والحراك السياسي (عبر حراكها المحلي) ما الذي يمنع أن تلعب دولة أخرى في المنطقة، مثل الإمارات، أدواراً لا تقل أهمية وفاعلية عما حدث في الكويت في الماضي القريب؟

أعود لنقطة مهمة وهي أن أحد الشروط المهمة لاستمرار نجاح المشروع الاقتصادي (التنموي) الذي تشهده دولة الإمارات هو إيجاد صحافة حرة تستطيع التعامل باستقلالية مع التحديات القادمة لمواكبة النمو الاقتصادي الضخم الذي ستشهده الإمارات قريباً.

الإسراع في مأسسة مفاصل الدولة مسألة ضرورية في مسيرة التنمية المرجوة للدولة والمنطقة. فلكي تكون الصحافة فعلاً سلطة رابعة في مجتمعها لابد من وجود سلطات أخرى واضحة المعالم والمسؤوليات إذ كيف نطالب الصحافة أن تكون سلطة رابعة في غياب معالم واضحة وحدود فاصلة بينها وبين السلطات الثلاث الأخرى؟

نحن - في المنطقة عموماً - أمام خيار واحد إن أردنا البقاء والصمود في وجه التحديات القادمة إلى منطقتنا وهو خيار بناء دولة المؤسسات وفقا لآليات بناء الدولة الحديثة بمؤسساتها الحقيقية وإفساح الطريق أمام مؤسسات المجتمع المدني المستقلة أن تسهم بدورها في هذا المشروع الضروري للبقاء.

أما فكرة أن يبقى مواطنو الدول العربية (خاصة في الخليج) رعايا - وليس مواطنين - وعالة على أهل الحل والربط في دولهم ومن دون مشاركة فعلية في العملية السياسية والتنموية فلن يسهم هذا إلا في ضعف مستمر للدولة وحرج متواصل لقياداتها أمام عالم سريع الحركة وفي ظروف محلية وعالمية تتغير باليوم الواحد.

إذن نحن هنا نبحث في آليات التغيير الإيجابي المرجو للمنطقة إذ لا يمكن أن نعزل الصحافة في الخليج عن محيطها السياسي والاجتماعي لأنه لا يمكن أن نتوقع إصلاحاً في أداء الصحافة أو حرية أكبر للرأي في ظل مناخ سياسي جامد أو غير قادر على الحركة والتفاعل مع المتغيرات المحلية والعالمية الراهنة.

علينا أن نتذكر دائماً أن أجيالنا القادمة ستكون أكثر عرضة من سابقيها لتطورات سريعة ومذهلة سيشهدها العالم هي حتماً ستقود إلى متغيرات وتحديات عالمية كبرى على أصعدة الاقتصاد والسياسة وقنوات الاتصال. ولهذا أتفق مع الدكتور عبد الخالق عبد الله في ضرورة البدء عاجلا في بلورة أجندة وطنية للإصلاحات المرجوة في المنظومة السياسية أولاً. وما يطالب به الدكتور عبد الخالق في دولة الإمارات هو في رأيي ما يجب أن يطالب به دعاة الإصلاح في بقية دول المنطقة لأن التحديات أمام دول المنطقة متشابهة ومترابطة.

النقطة الغائبة إلى الآن في هذا الحوار المهم حول حرية التعبير في الإمارات هي الفجوة التي يبدو أنها تتسع بين أداء الصحافة الإماراتية الناطقة باللغة العربية والأخرى الناطقة باللغة الإنجليزية. هذه الفجوة تحتاج إلى بحث أعمق ودراسة أشمل لأنها عملياً تطال مستوى الحرية المتاحة ومستوى الأداء وطبيعته ونوعية المتلقي وثقافته وتوقعاته.

هذه قضية أكثر تعقيداً لكنه ضروري أن يشملها حوارنا هذا حتى لا نكون ـ نحن الذين نتحاور باللغة العربية عن واقع الصحافة في الإمارات ـ مثل شلة «العيايز» في «فريج» معزولين أو نتفرج من بعيد فتنطفئ أصواتنا قليلا قليلا خلف الواجهات العملاقة الأنيقة وحينما ننتهي من حوارنا المهم نكتشف أننا مثل من يرمي من خلف الصفوف!

تلك إشكالية أخرى!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu