مازالت فكرة القومية العربية بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة والتفكير، بدلاً من مجرد اعتبارها معطى مطلقاً وبديهياً وربما منجزاً، في الخطابات التي أخذت على عاتقها الترويج للعروبة السياسية؛ لاسيما منذ أكثر من نصف قرن.

وكان »مركز دراسات الوحدة العربية«، أخذ على عاتقه هذه المهمة الشاقة، لإعادة التأسيس لمشروع الوحدة، على أرضية علمية وموضوعية ومصلحية، بدلاً من بقاء ارتكازها على العواطف والأمنيات، والحتميات التاريخية. وربما لأن هذا الهدف كان في مركز اهتمامات المنظمين لندوة »تجديد الفكر القومي العربي«، التي عقدت في دمشق (15ـ18/4/2008)، وشارك فيها نخبة من المفكرين والباحثين العرب.

في هذا الإطار يؤخذ على الخطاب القومي أنه استمرأ عدم تحقّق مشروعه، في قيام الدولة العربية الواحدة، إلى القوى الخارجية فقط (الإمبريالية والصهيونية)، دون التبصّر بالعوامل الداخلية، وبمكونات وتفاوتات البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى المفاهيم الثقافية، السائدة في البيئة العربية، والتي لم تنتج إلا مزيداً من الانشطار والتشظّي، على صعيد المجتمعات، والخلافات، على صعيد الحكومات.

وكما قدمنا، فإن مشكلة هذا الخطاب انه أنشأ مشروعه على البديهيات، بحيث باتت الفكرة القومية عنده بمثابة أيديولوجية مطلقة، لا نقاش فيها، وبات المشروع القومي لديه مسألة حتمية، بالنظر إلى وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا، وكأن هذه توجب تلك (!) وبشكل ميكانيكي. وفوق ذلك فإن هذه العناصر اقترنت في رؤيته بوحدة مفترضة للآمال والمصير.

الأنكى أن هذا المشروع توسّل الطرق الثورية (وبالأدق العسكرية) لإنجاز الوحدة، دون المرور بتوسّطات في الكيانية السياسية (كونفدرالية، فدرالية، تكامل في مجالات معينة)، ودون تدرّجية (لاحظ مثال الوحدة المصرية ـ السورية)، ودون تنمية المصالح المشتركة بين الناس.

في كل ذلك فقد تم التعويل على المثال البسماركي (التوحيد بالقوة)، وعلى الدولة المركز، ما أدى إلى إثارة الشبهات حول هذا المشروع، كما أدى (مع عوامل أخرى)، إلى انحساره، وإخفاقه، في التجربة الملموسة؛ وهو ما يمكن ملاحظته في مآل التدخّل المصري في اليمن، وإخفاق وحدة مصر وسورية، وتعثّر المداخلات السورية في المشرق العربي (لبنان وفلسطين والعراق)، والتداعيات الخطيرة للغزو العراقي للكويت (1990)، ومشاريع الاتحاد بين لييبا وعديد من البلدان العربية.

وبمراجعة للمسار التاريخي يمكن ملاحظة أن الفكرة القومية لم تكن نتاج حالة وعي أو نهوض جماهيري/مجتمعي، ولا نتاج حالة سياسية/ حزبية عربية، بقدر ما كانت نتاجا لثورة يوليو (1952)، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، كما أنها بمثابة ردة فعل على نكبة فلسطين وقيام إسرائيل.

واقعياً فإن فكرة القومية العربية ازدهرت في الخمسينيات والستينيات، وبدأت بالضمور في السبعينيات والثمانينيات، وانحسرت في تسعينيات القرن الماضي. بمعنى أن هذه الفكرة تدين بصعودها إلى زعامة مصر للعالم العربي (في حينه)، حيث اضطلعت بدور الدولة /المركز، في ظل قيادة عبد الناصر بشخصيته القيادية الكاريزمية؛ دون أن نقلّل من أهمية التداعيات التي ولّدتها في المحيط العربي، ولا من قيمة الفكرة القومية بحد ذاتها، لجهة عدالتها وشرعيتها في الواقع العربي.

وعلى خلاف الشائع، فإن هذه الفكرة لم تعم بلدان الوطن العربي بكامله، وإنما انحصرت في منطقة تشمل مصر وبلدان المشرق والخليج العربيين، بمعنى أنها لم تشمل تماماً البلدان العربية في شمالي أفريقيا والسودان.

ومن جهة التجربة الحزبية، فإن هذه الفكرة لم تجد تمثّلا لها إلا في تجربة أحزاب قليلة، ضمنها حركة القوميين العرب، والبعث، وأحزاب ناصرية، وهي كلها تواجدت في بلاد الشام والعراق وبعض بلدان الجزيرة العربية، وظلت محصورة في إطار الفئات الوسطى، والأرياف، وفي أوساط بعض المثقفين والعسكريين (في مصر وسورية والعراق).

بالمحصلة فقد لاقت الفكرة القومية إخفاقها في الواقع العربي: السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ليس فقط مع نشوء الدولة الوطنية/القطرية، وإنما بفشل هذه الدولة في الارتقاء بمستويات الاندماج الاجتماعي، في بلدانها، بسبب من تحولها لمجرد سلطة، على حساب قيام دولة المؤسسات والقانون والمواطنة.

ولا شك أن هذا الوضع يشكل حجر الزاوية في فهم مجمل الإخفاقات العربية، وضمنها إخفاق فكرة القومية العربية، أو التكامل الاقتصادي العربي، ذلك أن الدولة التسلطية الناشئة، خلقت حالة من الاغتراب مع المجتمع، ما أدى إلى صعود الانتماءات والهويات القبل دولتية (الطائفية والمذهبية والاثنية والعشائرية)، على حساب الهوية الوطنية، وترسخ المصالح القطرية والتمايزات المجتمعية.

من الناحية السياسية بات المشروع الوحدوي أصعب منالاً، بما لا يقاس، إذ تحولت اتفاقيات سايكس ـ بيكو من تجزئة على الورق (مطلع القرن العشرين)، إلى حدود وحواجز وتأشيرات (منذ منتصف القرن العشرين)، تفصل بين مواطني البلدان العربية من النواحي السياسية، والاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وفي مجالات الهوية، وحتى الحلم بمجرد إيجاد نظام تعليم مشترك أو إنشاء سوق عربية مشتركة، أو سكة حديدية تربط البلدان العربية ببعضها، يكاد يكون ترفا يفوق الاحتمال.

ومن الناحية الاجتماعية لم تتحقق مشاريع الاندماج على المستوى الوطني (كما قدمنا), إذ واجهت صعوبات وإخفاقات جمة، بغياب الدولة المؤسسة أو دولة المواطنين، في ظل تباينات البنى المجتمعية، على خلفية العصبيات الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية، وهو واقع الحال في عديد من البلدان العربية. فإذا كانت هذه المجتمعات لم تصل إلى حد الاندماج الوطني فكيف لها أن تحقق توحدها، أو اندماجها، على المستوى القومي؟ وإذا لم تنجح الدولة القطرية فكيف ستنجح الدولة القومية؟

ومن الناحية الاقتصادية فإن الوضع ليس أفضل من سابقيه، فالتفاوتات بين البلدان العربية تزداد اتساعاً، بين الدول الغنية والدول الفقيرة، والكثيرة السكان والقليلة السكان. وحال العلاقات الاقتصادية العربية لا تؤشّر إلى إمكانات تفعيل مسارات التكامل والتوحد، وتنمية المصالح.

هكذا فإن المقدمات السابقة (دون أن نذكر الخلافات البينية العربية) تفسّر أفول الفكرة القومية، التي تراجعت في الخطابات والممارسات السياسية، على مستوى الحكومات والتيارات والمجتمعات، في المنطقة العربية، لصالح تسيد النظام القطري، والمصالح المجتمعية القطرية.

المعنى من ذلك أن التفكير السياسي العربي، وضمنه التفكير القومي، بحاجة إلى تجديد خطاباته للانتقال من البديهيات إلى حيز الواقع، ومن مجال المبالغة بدور العامل الخارجي إلى التفكير بدور العامل الداخلي في المسؤولية عن تفتّت أوضاعنا. ومن مستوى التعويل على الحتميات والتوهمات إلى البحث في تعميق المصالح المشتركة.

في كل ذلك يمكن الاستنتاج، أولاً، بأن الدولة القطرية باتت واقعا لا يمكن نفيه أو تجاهله، وإنما يمكن البناء عليه، في أية مشاريع مستقبلية، وضمنها مشاريع التكامل العربي، أو الوحدة الاقتصادية العربية، التي ربما تصل للوحدة العربية الناجزة.

وثانيا، فإن المطلوب في هذه المرحلة تطوير هذه الدولة من كونها مجرد سلطة إلى كونها دولة مؤسسات وقانون، أي دولة مواطنين، بما يحقق الاندماج الاجتماعي. ثالثا، إن توسل الطرق الثورية (الانقلابية والقسرية) لا يفيد شيئا في تغيير الواقع، الذي لا يتغير حقا إلا بالأساليب السلمية والتدرجية.

كاتب فلسطيني