تقف الممثلة الفرنسية الشهيرة العجوز بريجيت باردو هذه الأيام أمام المحاكم بتهمة السب والقذف ضد الإسلام والمسلمين، ومن دون أي شعور بالذنب بل مجرد إحساسها بالهذيان.. ويكفي أن تهما كهذه يحاسب عليها القانون ليس لأنها تدخل باب الكراهية والتشهير، بل تدخل مأزق الطعن العنصري.. وليست هذه هي المشكلة الأولى التي تثيرها الممثلة باردو، بل إنها واحدة من مشكلات تتعمد طرحها لكي تبقى متصدرة على واجهات إعلامية وتكون حديث الناس.

ولمن لا يعرف أو يسمع بهذه المرأة، فهي بريجيت باردو (Brigitte Bardot)، المولودة في 1934، بباريس، وكانت قد خطفت الأضواء إبان الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بأفلامها القوية، وما لها من مشاهد فاضحة على الشاشة بالأسود والأبيض، فضلا عن صور مثيرة في المجلات تتناقلها الأيدي في العالم، وكان من أبرز أفلامها «وخلق الله المرأة» عام 1956.

وأصبحت نجمة عالمية. ظهرت أيضاً في فيلم «حلت سماء الليل» في عام 1958، بالإضافة إلى «الحقيقة» (1960)، و«الاحتقار» (1963)، و«تحيا ماريا!» (1965) و«شالوكو» عام 1968.

وقد عرفت بكونها رمز إغراء. في عام 1974 قررت اعتزال التمثيل منذ انخراطها في نشاطات المطالبة بحقوق الحيوانات، وفي عام 1987 أسست منظمة خيرية متعلقة بالحيوانات.

من يقرأ مذكراتها التي صدرت حديثا سيجدها تعيش كائنا خفيا يعيش الهوس والتناقضات، فهي تقر السلبيات والايجابيات معا مرة باسم الإنسانية ومرة باسم الحيوانية ومرة باسم العنصرية ويصل عندها حب الذات إلى أقصى مداه، ولكنها لا تكاد ترى في الأفق إلا واقعها وحياتها والإعجاب بشخصيتها ومملكتها وعشقها لذاتها.. وهي معقدة نفسيا من جّراء النقد الهائل الذي وجه إليها في حياتها الصاخبة والبوهيمية، والهزات العاطفية التي عاشتها وانتقالها بين الأيادي، إذ تعيش كبتا حقيقيا فتعيش العزلة ولكنها مغرمة بالأضواء، وهي تكره الجنس ولكنها تخاف الوحدة من دون حماية رجل وهي تعشق الحيوانات وتكره الإنسان..

وعليه، فهي تحمل شخصية مريضة في داخلها، وكلما تخضع لأي محاكمة تزداد شراسة وكراهية للآخر.. تهمتها «إثارة الكراهية العنصرية» بشأن إهاناتها التي وجهتها للإسلام والمسلمين. لكنها أثارت أيضاً جدلا باستنكارها لتقاليد إسلامية والهجرة من بلدان غالبية سكانها من المسلمين.

لقد طلب الادعاء من محكمة باريس فرض عقوبة الحبس لمدة شهرين مع إيقاف التنفيذ وغرامة 15000 يورو (23760 دولارا) على بريجيت باردو لقولها إن الجالية المسلمة «تدمر بلدنا وتفرض تصرفاتها علينا» من دون ان تنتقد بقية الجاليات الأخرى.

إننا لسنا ضد من ينتقد العادات السيئة، وربما تثار معالجة القضايا الحساسة بمنتهى الذكاء، ولكن أن تصدر عن سبق كراهية وترصّد وبالذات ضد جاليات عربية مسلمة، فهذا ما يثير النعرات والاضطرابات.. وشكت جماعات مناهضة للعنصرية العام الماضي من تعليقات باردو بشأن ذبح المسلمين للأضاحي في عيد الأضحى في خطاب وجهته إلى الرئيس نيكولا ساركوزي، ونشرته فيما بعد مؤسسة تابعة للممثلة السابقة.

وأسأل: هل اختص المسلمون فقط بذبح الأضاحي والشياه؟ العالم كله يأكل اللحوم الحيوانية الحمراء. فلماذا لا تعترض بريجيت باردو على كل العالم؟ وهل كان المسلمون فقط يقتلون الكلاب السائبة، فالعالم كله يقضي على مصادر المرض. وعندما تشيخ الكلاب في أوروبا وأميركا، فإنها تعدم في أماكن خاصة!

ولا ندري لماذا زعلت بريجيت باردو على الرئيس حسني مبارك كونه لم يعر نداءها أي اهتمام، لخلوها من الذوق، ومطالبتها عدم قتل الكلاب السائبة! ولا أدري هل تدرك هذه المرأة كيف هي سنة الحياة؟ هل باستطاعتها الدفاع عن حيوانات ضعيفة تذهب لقما سائغة بأفواه الحيوانات المتوحشة في الطبيعة؟

اذا كان الصراع ضد المسلمين الفرنسيين، فلماذا كل هذا اللف والدوران؟ إذا كانت بريجيت باردو لا تطيق وجود 5 ملايين عربي مسلم في فرنسا وتصفهم بأردأ الصفات، فهل نصّدق أنها داعية ناشطة لحقوق الإنسان؟

هل قرأت ما أمر به الإسلام حول المساواة بين الناس وعدم وجود الفروقات بين بني البشر.. هل عرفت حقوق الحيوانات الأليفة في الإسلام؟

فإذا كانت بريجيت باردو لها مشكلات سيكولوجية مع الآخرين في فرنسا، فلماذا التهجّم على الإسلام بالذات؟ وإذا كانت لها مملكة من الحيوانات في بيتها، فما شأنها بحيوانات الآخرين؟ وإذا كانت مرتاحة جدا من حال البقرة في الهند، فلماذا لا تطالب هذا العالم من شرقه إلى غربه بعدم ذبح الأبقار؟

وتوقف التلذذ بأطباق الاستيكات الرائعة؟

ثمة من خرج قبل أيام من أبناء جلدتنا مدافعا عن بريجيت، مساهما في ماراثون إهانة الإسلام والمسلمين، ويكيل التهم جزافا بدون أي رادع ولا أي ضمير، وليزيد من حجم الكراهية اليوم ضد جالياتنا في الغرب عموما، وكأن المسلمين كلهم إرهابيون قتلة خبثاء ومخادعون يختفون في ثياب دين!

وعليه، ينبغي إعادة النظر فيه بقراءة ما تريده بريجيت باردو أصلا من نفسها أولا قبل ما تطالب به غيرها.. وعليها ان تنادي بالحفاظ على حياة الإنسان والذي يهان ويعذّب ويقتل كل يوم من قبل محتل غاصب، أو ديكتاتور جائر، أو سلاح فتّاك، ومن قبل إعلام متحّيز يثير الكراهية والأحقاد.. ومن قبل سياسات وقرارات رعناء يصنعها قادة وزعماء، هم بلا حس ولا ضمير.

مؤرخ عراقي

moc.limajlarayyas.www