سطّرت الهمجية الإسرائيلية في غزة، أول من أمس، صفحة سوداء جديدة؛ في سجلها الإجرامي الدموي. مجزرة بشعة ومريعة ارتكبتها قواتها، في شمال قطاع غزة؛ سقط فيها ثمانية شهداء؛ أم مع أربعة من أطفالها؛ إلى جانب ثلاثة فلسطينيين آخرين. قنبلة سقطت على العائلة، وهي مجتمعة حول طاولة الطعام. إبادة مأساوية لبيت، بكباره وصغاره، وجدتهم آلة الانتقام الإسرائيلية الحاقدة، في طريقها لقمة سائغة؛ فحصدتهم بدون رحمة.
عملية بربرية هزّت كل من رأى المشهد المفجع، طبعاً باستثناء إسرائيل، التي لا يرف لها جفن في مثل هذه الحالات؛ والتي ذهبت هذه المرة إلى أبعد من ذلك، حين زعمت، بكل وقاحة وفجور؛ أن قواتها لم تتسبب بهذه الجريمة المريعة ولم تقصف منزل العائلة المنكوبة؛ بل ان متفجرات فلسطينية داخل المنزل هي التي قضت على الأم وأبنائها، المتراوحة أعمارهم بين سنة وخمس سنوات.
والأنكى أن واشنطن سارعت إلى تبرئة إسرائيل، من خلال رمي المسؤولية على الفلسطينيين في غزة،؛ من دون التلفظ بكلمة استنكار، حتى لا نقول إدانة؛ للجريمة. اكتفت بكلام ضبابي حول أوضاع الفلسطينيين وظروفهم الصعبة. السياسي يطغى، كالعادة، على الإنساني؛ في ردّ فعل واشنطن، عندما تكون إسرائيل في قفص الاتهام. حتى ولو كانت الجريمة من هذا العيار المفجع. ولطالما تكرر مثل هذا الردّ، في حالات مشابهة؛ بحيث بدا وكأنه مظلة واقية لإسرائيل، يحمي تماديها وفجورها الدموي، مهما بلغ في همجيته. بل بدا وكأنه مشجع ومحرض، على ارتكاب المجازر، ضدّ الفلسطينيين.
تاريخ إسرائيل حافل بالمجازر، سفك دماء المدنيين الأبرياء، من شيوخ وأطفال ونساء، فلسطينيين وعرب آخرين؛ ممارسة التصقت بحملاتها العدوانية، على غير انقطاع. القائمة طويلة ومزمنة، من مجزرتي دير ياسين، وكفر قاسم؛ في أواخر الأربعينات إلى تلك التي وقعت في قبية، أوائل الخمسينات والفترة اللاحقة؛ وصولاً إلى مذبحة مدرسة بحر البقر المصرية، التي سقط فيها ثلاثون طالباً في أوائل السبعينات؛ ومحرقة قانا التي حصدت أكثر من مئة من المدنيين من مختلف الأعمار، في أواسط التسعينات.
هذه فقط عيّنات من اللائحة. واليوم تأتي إبادة هذه العائلة المسكينة، ليس فقط لتضيف رقماً آخر إلى هذا المسلسل من الإجرام ضدّ الإنسانية، بل لتؤكّد أن القتل بالجملة، سياسة إسرائيلية معتمدة (من زمان)؛ ولا يزال معمولاً بها حتى اليوم وبعده، خاصة انه لا حسيب ولا رقيب.
أكثر ما يصدر من الخارج؛ وبالتحديد من الغرب؛ وأكثر تحديداً من الولايات المتحدة الأميركية؛ لا يتعدّى الكلام عن أنهم «قلقون للأوضاع في غزة»؛ وكفى الله المؤمنين القتال! لا شيء أكثر من القلق. إسرائيل تسفك دماء الأبرياء، ولا تسمع ما يزعج خاطرها.
العالم، إما غير مبال بالنزف الفلسطيني إلى هذا الحدّ، وإما أنه غير قادر على فعل شيء. وبذلك فإن على الوضع الفلسطيني المعروف أن يسارع، في أقله، إلى العمل على الخروج من أزمته، باتجاه استعادة شيء من مناعته الوطنية؛ التي لا قدرة له على الصمود من دونها.
