مع أن الخبر قد يبدو مضحكا في ظل ما نشهده من تحالفات استراتيجية عميقة بين الولايات المتحدة ودولة إسرائيل، إلا أن المحاكمة التي اضطر للمثول أمامها مؤخرا الخبير العسكري بن عامي قاديش تشير إلى سلسلة من الأمور التي قد تكون مفيدة في قراءة طبيعة الصراع في منطقة الشرق الأوسط الآخذ بالتفرع شيئا فشيئا نحو عناوين شيقة للغاية.
كما يمكن أن ترسم صورة معينة عن طبيعة العلاقات القائمة بين الدول العربية وكثير من دول العالم ، فهذا الخبير، الذي من المفترض أن يكون مواليا للولايات المتحدة الأميركية بصفته مواطنا مميّزا عمل لسنوات طويلة في أحد مراكز أبحاثها العسكرية، كان يسرّب إلى الدولة العبرية أسرارا عسكرية مختلفة مرتبطة بالأسلحة النووية وطائرات إف 15 وصواريخ باتريوت وغيرها، بالإضافة لمعلومات هامة عن الصفقات العسكرية المختلفة التي كانت تتم مع المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية.
ما يهمنا في هذا الخبر ليس موضوع المحاكمة بحد ذاته لأن ذلك قد يتحول في نهاية المطاف إلى فصل من فصول المسرحيات التي تتداخل فيها القيم الديمقراطية مع التجارية والتي تعودنا على مشاهدتها في الولايات المتحدة، بل ما عبّر عنه الشخص المذكور خلال محاكمته، وإصراره تحديدا على أن ما قام به ليس تجسسا لصالح دولة أجنبية معادية، بل مساهمة منه في تعزيز أمن دولة يتعاطف معها بكل جوارحه.
والمحاكمة ليست الأولى من نوعها بطبيعة الحال، فقد سبق أن مثل أمام المحاكم الأميركية عدد آخر من عملاء الاستخبارات الإسرائيلية مثل جوناثان بولارد ويوسف عميت وغيرهما، إلا أنها تشير إلى عمق الاختراق الذي أحدثه ما قد نصطلح على تسميته اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي بات ممسكا بتفاصيل هامة جدا من دائرة صنع القرار فيها، معتمدا على قدراته الذاتية بالطبع لكن أيضا على المتعاطفين معه من اليهود وغيرهم.
ويبدو لي من الرصد المتأني للأحداث، بأن الحركة النشطة التي تمارسها دولة إسرائيل لتعزيز أمنها والدفاع عن وجودها تنطلق من وقائع ملموسة تسعى هذه الدولة لتكريسها في عملها الدبلوماسي والتجسسي خلال المستقبل، أخذا بعين الاعتبار سلسلة من النجاحات التي حققتها على الساحة الأميركية تحديدا، وانطلاقا من مواقع نفوذها في بعض دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما تلك التي انضمت حديثا إلى هذه المؤسسة الشاملة والهامة.
فأين مكمن الخطر فيما يجري وهل نبالغ إذا قلنا بأن تلك الحركة النشطة قد بدأت تتحرك شرقا لتمسك أو على الأقل تؤثر بمفاتيح صنع القرار في بعض الدول الأوروبية؟
قبل أعوام، وتحديدا قبيل انطلاق عملية توسيع الاتحاد الأوروبي، أكدت وزارة الخارجية التشيكية معلومات وردت في بعض وسائل الإعلام ومفادها أن مئات من مواطني دولة إسرائيل يتدفقون على السفارات التشيكية والبولندية لتقديم طلبات بهدف الحصول على جنسيات هذه الدول، وأن سفارات دول أوروبية شرقية شهدت تدفقا مماثلا لكن أقل من حيث الكمية.
وتبين بعد التدقيق بأن المتقدّمين هم أبناء وأحفاد مهاجرين يهود جاءوا إلى فلسطين التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية، وأن حبّهم المفاجئ لأرض أجدادهم لا ينبع سوى من رغبتهم لاستغلال ذلك الرابط الاجتماعي الفريد الذي يساعدهم على حمل أكثر من جنسية، لتحسين وضعهم الاقتصادي من خلال العمل في تلك الدول بعد أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي.
وقد يتجرأ البعض للذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك في التفكير، فيزعم بأن ذلك الحب المفاجئ لأرض الأجداد هو في حقيقة الأمر وسيلة سهلة للتغلغل لاحقا في مؤسسات حساسة لا تعمل على الصعيد المحلي فحسب، بل كذلك على الصعيدين الأوروبي واليورو ـ أطلسي وربما العالمي، حيث بإمكانهم لاحقاً التأثير على طريقة صياغة القرار فيما يخص القضايا التي تهم الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
الآن، وبعد أن أصبحت الدول المذكورة جزءا أساسيا من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، يحق لنا أن نتساءل عن حجم التأثير الذي أصبح يتمتع به هؤلاء الإسرائيليين ممّن سمحت لهم دولهم «الجديدة» بالتغلغل في مؤسساتها الرسمية بحجة تكاملهم مع المجتمع الجديد الذي قرروا العيش فيه. ويحق لنا على وجه الخصوص، أن نتساءل عن الدور الذي يلعبه هؤلاء في صياغة الاستراتيجيات المختلفة التي تحكم أداء الدبلوماسية في هذا البلد أو ذاك حيال العالمين العربي والإسلامي، في ظل ما نراه من حملة شرسة ضدهما على أكثر من صعيد، وأخذا بعين الاعتبار البيئة الإيجابية الموالية تاريخيا لإسرائيل في تلك الدول والتي لم تختلف كثيرا برغم التطور السياسي الكبير الذي شهدته.
وبالإضافة لكل ما سبق نسمح لأنفسنا أيضا بالتساؤل عن مدى صدق نوايا العلاقات التي تقيمها تلك الدول مع العالم العربي، وفيما إذا كانت ستبقى محصورة دائما في إطار تجاري استثماري فاتر يفتقر لأي نوع من الحميمية، في وقت نرى فيه بأن درجة الحرارة التي تتسم بها علاقاتها مع إسرائيل تكاد تصل إلى درجة الانفجار وهو ما تبينه سلسلة الاتفاقيات العلنية والسرية الموقعة معها.
في الحقيقة، أن ما بات يثير كل هذا الاهتمام هو سلسلة من الوقائع التي تتكشف أمامنا شيئاً فشيئاً وتعكس مدى التأثير الذي بات يحسب لصالح المهاجرين الجدد والمتعاونين معهم، وهو ما تؤكده خارطة التحالفات القائمة على مسرح الاتحاد الأوروبي حالياً، بحيث تبدو الدول التي انضمت حديثا من أشرس المدافعين عن إسرائيل.
أما على الصعيد العسكري، فأن أفضل ما قد يعكس الصورة التي أحاول رسمها هنا هو ما ذكره الأمين العام لحلف الناتو شخصياً، بأن المعلومات السرية التي يتم تداولها تتسرب إلى تل أبيب قبل أن تصل إلى حكومات الدول الأعضاء.
كاتب لبناني