أمام المراقبين لتطورات العلاقة المتأرجحة بين أميركا بوكالة إسرائيلية، وسوريا برؤية عربية، أكثر من محطة وأكثر من مشهد يتغير دورياً ربما ليس باختلاف السنين وإنما باختلاف الفصول، شداً وجذباً وترهيباً وترغيباً وتهديداً ومحاورة.

ومع ثبات ووضوح المواقف السورية المعلنة في ما تلا حربي 67 و73 بألا سلام عربياً إلا بعودة كل الأرض العربية المحتلة في حالة القبول بوحدة المسارات التفاوضية، ولا سلام سورياً إلا بعد عودة الجولان السوري في حالة فرض تعدد المسارات العربية.. بدت المحطات والمشاهد المتباينة قبل مؤتمر جنيف وبعده لإقناع سوريا للدخول بما سُمي عملية السلام، بما في ذلك القمم السورية الأميركية والزيارات المتعددة لوزير الخارجية الأميركية جيمس بيكر إلى دمشق، تعكس نوعاً من الارتباك الصهيو أميركي في التعامل مع الرقم السوري الصعب في الملفات العربية.

ولن نقف طويلاً أمام مشاهد الحرب العسكرية التي اضطرت سوريا ومصر إلى خوضها مع إسرائيل، سواء في عدوان يونيو 67 دفاعاً عن الحقوق الوطنية والعربية والتي انتهت بهزيمة عسكرية عربية.. ولا أمام مشاهد المفاوضات السياسية قبل وبعد مؤتمر مدريد سعياً لسلام بعد الانسحاب الكامل من الأرض العربية، بعد حرب رمضان 73 التي انتهت بانتصار عسكري عربي.

بل يعنينا اليوم الوقوف أمام المشهد الحالي فيما يبدو المحطة قبل الأخيرة، والتي قد تقود إما إلى تسوية سلمية أو إلى جولة حربية جديدة قد تبدو حاسمة في إعادة رسم خريطة القوى في المنطقة العربية كلها.

هذا المشهد يبدو مزدوجاً كما قد يبدو متناقضاً، بين تصريحات إسرائيلية تتحدث عن السلام ومناورات تلوح بالاستعداد للحرب، أو تصريحات أميركية تهدد بالانفجار العسكري وحوارات خلفية تتحرك باتجاه الانفراج السياسي، يحدث هذا كله في ظل خلفية لمسرح الأحداث بالأكاذيب والألاعيب الجديدة القديمة.

مكونات المشهد الحالي نراها ونسمعها من أربع زوايا:

المكون الأول سوري.. على لسان الرئيس بشار الأسد بالرد الساخر على الاتهامات الأميركية بالقول «إن المفاعلات النووية العسكرية لا يجرى بناؤها تحت عدسات الأقمار الصناعية الأميركية»®. وبالإعلان عن مساعٍ تركية للسلام على المسار السوري الإسرائيلي، والجديد هو الكشف عن رسالة إسرائيلية عبر الحكومة التركية بالاستعداد أخيراً للقبول بانسحاب كامل من الجولان مقابل السلام.

والثاني أميركي.. على لسان الرئيس الأسبق جيمي كارتر في القدس، بعد حواره مع قادة حماس في رام الله والقاهرة ولقائه بالرئيس الأسد وخالد مشعل في دمشق، بأنه أمام الإدارة الأميركية الآن ثلاثة خيارات في أي حوار أميركي أو إسرائيلي مع سوريا أو مع حماس توجها نحو السلام، بعدما رأى في جولته مؤشرات إيجابية من الجانبين العربي والعبري. إما رفض ومحاولة منع أية اتصالات سياسية بين إسرائيل وسوريا أو حماس.. وقال كارتر ضاحكاً «وهذا هو ما تفعله إدارة الرئيس بوش الآن». وإما القبول ولو على مضض، وإما الحياد التام.

والثالث أميركي أيضاً.. على أكثر من لسان رسمي وبرلماني واستخباراتي ظهروا فجأة بموسيقى صاخبة لتبديد ما بدا أجواء تهدئة بين إسرائيل وحماس بمساعٍ مصرية رفضتها إسرائيل، وبين دمشق وتل أبيب بمساعٍ تركية ترحب بها، والصخب الذي خرج من جراب الحاوي الأميركي يحمل أكذوبة جديدة هي مشهد هابط وفاشل لمسرحية قديمة بعنوان «الملف النووي في العراق».

والرابع تركي.. على لسان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي قال، في موازاة الحمى الأميركية المفاجئة التي تحاول منع أي تحرك باتجاه التهدئة أو التسوية، انه برغم الاتهامات الأخيرة وما تشهده العلاقات الأميركية السورية من توتر، فإن هناك حواراً سورياً أميركياً لم ينقطع، ثم قام بزيارة دمشق لعرض تفاصيل الرسالة الإسرائيلية، والتوجه منها إلى تل أبيب لمواصلة تحرك وساطته من أجل السلام.

المشهد الحالي يكشف من مع الحرب بينما يعلن أنه صانع سلام.. ومن مع السلام وهو المتهم بالتطرف وبسلوك الحرب؟!

mamdoh77t@hotmail.com