لقد بات واضحا مدى الأزمة التي تعانيها منظمة الأمم المتحدة في ظل الحملات الشرسة التي تواجهها والتي تعكس بوضوح النية المبيتة لدى جهات معينة، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، لاستبدال هذه المنظمة الدولية بشكل آخر من التحالفات الدولية تكون لها الكلمة والقرار على الساحة الدولية بما لا يعوق عمل ومصالح وإستراتيجيات اليمين المحافظ في واشنطن.

وذلك بعد أن باتت الأمم المتحدة تشكل عائقاً كبيراً وساحة لفضح وكشف العديد من مخططات اليمين المحافظ الأميركي، وكان موقف المنظمة الدولية المعارض للحرب في العراق هو البداية لانطلاق الأفكار والجدل حول جدوى هذه المنظمة الدولية التي تجمع (في رأي المحافظين الجدد في واشنطن) تحت سقفها أنظمة حكم ديكتاتورية مستبدة وغير ديمقراطية تعوق بقراراتها مخططات واشنطن لتحرير الشعوب من أنظمة الحكم الفاسدة والداعمة للإرهاب، وتعوق تحقيق الديمقراطية في العالم، وتعطي في نفس الوقت شرعية لهذه الأنظمة المستبدة الجالسة على مقاعد المنظمة تتحدث باسم شعوب ترفضها.

هذا هو رأي اليمين المحافظ في واشنطن في الأمم المتحدة الآن، وهذا هو المبرر لديهم لإلغاء هذه المنظمة أو تهميش دورها تماما، وقد انعكس هذا في العديد من التصريحات والكتابات الصادرة من أركان وصقور ومنظري هذا النظام في الولايات المتحدة، وتصدر معهد «المشروع الأميركي» في واشنطن الذي ترأسه زوجة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني هذه الحملة، حيث نظم المعهد العديد من المحاضرات وجلسات الحوار حول جدوى بقاء الأمم المتحدة وكلها خلصت لضرورة إنهاء وجود المنظمة الدولية.

كما أصدر المعهد العديد من المطبوعات التي تناولت هذا الموضوع، ومن أشهرها كتاب «مستقبل الأمم المتحدة» للبروفيسور الأميركي المعروف «جسوا أمورفشيك» الذي كتب فيه يقول: «إن هذه المنظمة الجاحدة لفضل الولايات المتحدة ومساعداتها وعطاءاتها الكبيرة قد تحولت إلى حكومة عالمية تسعى لفرض إرادتها على الدول ومطالبتهم بالتنازل عن مصالحهم مقابل حماية كاذبة ستقدمها لهم، ولا جدوى مطلقا من كافة المساعي لإصلاح هذه المنظمة التي تعفنت أركانها وانتشر الفساد في كل مكاتبها وغرق موظفوها في الرشاوى.

كما أنه لا جدوى من محاولات الإصلاح بزيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، هذه المحاولات التي تشبه زيادة عدد ركاب السفينة الغارقة»، وكتب أمورفشيك يقول «الأمم المتحدة منظمة تجمع الحكومات وليس الشعوب، ومعظم الأنظمة الحاكمة التي تجمعها المنظمة أنظمة فاسدة ومستبدة وتعمل ضد مصالح شعوبها، والمنظمة الدولية تمنح الشرعية لهذه الأنظمة الفاسدة، وهؤلاء بالتحديد هم المتحمسون لبقاء المنظمة وإصلاحها ويرفضون تدخل الولايات المتحدة لأنها تدعو للديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان وتدافع عن الشعوب المقهورة وتسعى للقضاء على هذه الأنظمة المستبدة».

المرشح الجمهوري للرئاسة في الولايات المتحدة جون ماكين تصدر حملة الهجوم على الأمم المتحدة بتصريحاته الأخيرة التي طالب فيها صراحة بإلغاء المنظمة الدولية وتأسيس منظمة جديدة أطلق عليها اسم «عصبة الديمقراطيات» مؤكدا على أن الولايات المتحدة ستقود المنظمة الجديدة لتحقيق الديمقراطية في العالم، وأكد جون ماكين في حالة فوزه بالرئاسة أنه سيعمل من أجل تحقيق هذا الهدف وسيأمر بوقف الحصة المالية التي تدفعها الولايات المتحدة سنويا للأمم المتحدة والتي تشكل أكثر من 23% من ميزانية المنظمة الدولية، مما يهدد عمل وأنشطة المنظمة، وخاصة إذا اتبعت دول أخرى نفس موقف الولايات المتحدة، الأمر الذي يهدد بالفعل استمرار وجود المنظمة.

وهناك آراء وتحليلات ترى أن توسعات حلف شمال الأطلسي تجاه الشرق وضم دول جديدة للحلف إنما يهدف في الأساس إلى تحويل الحلف إلى منظمة دولية سياسية وعسكرية تتولى حسم النزاعات على الساحة الدولية بدلا من الأمم المتحدة.

وهذا ما ورد في نشرة «ستراتيجيك إليرت» الأسبوعية التي تصدر في واشنطن والتي كتبت مؤخرا تقول «حلف الناتو يسعى لإعادة بناء هيكله الجديد ليحل محل الأمم المتحدة،ولتصبح الولايات المتحدة والدول الحليفة لها في الحلف صاحبة القرار والكلمة الأخيرة في معالجة الأزمات الدولية بدون الرجوع لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي أصبح قديما لا يلائم الأوضاع الدولية الحالية وأصبح يعوق بشكل واضح مصالح الدول الكبيرة لحساب الدول الصغيرة التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية مستبدة لا ترعى مصالح شعوبها وتدعم الإرهاب وتحارب الديمقراطية وحقوق الإنسان».

ريتشارد بيرل عضو مجلس سياسات الدفاع الأميركي وأحد أبرز صقور المحافظين الجدد كتب في صحيفة كندية يقول «لا يجب اعتبار الأمم المتحدة مصدرا للشرعية في العراق أو في أي مكان في العالم، لقد فشلت هذه المنظمة في تحرير العراق من نظام صدام حسين المستبد ورفضت دعم هذا التحرير على أيدي التحالف الدولي، ومن المنطقي أن ترفض أية حكومة عراقية التعامل مع هذه المنظمة التي وقفت ضد مصالح الشعب العراقي».

ويقول بيرل «لابد من إيجاد قيادة جديدة للنظام العالمي تعتمد على دول التحالف التي شاركت في حرب تحرير العراق» وطالب بيرل باستبعاد الأمم المتحدة والدول التي عارضت الحرب في العراق من هذا النظام الجديد، وقال بيرل «إن تحرير العراق من نظام صدام حسين يعني نهاية الأمم المتحدة التي عجزت عن مواجهة القضايا الدولية ورفضت تقديم الدعم للتحالف الدولي بقيادة واشنطن».

لا شك أن الأمم المتحدة تواجه مشاكل عويصة ومعقدة تهدد بقاءها، ولكن هناك العديد من الدول ربما تشكل الغالبية على الساحة الدولية ترى أن من مصلحتها بقاء المنظمة الدولية وتطويرها، وهناك من هذه الدول من يملك تأثيرا فعالا على الساحة الدولية مثل روسيا والصين والهند، ودول أوروبية مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، وعلى ما يبدو أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد قرر أن يبذل كل ما لديه من قوة وجهد من أجل الحيلولة دون انهيار الأمم المتحدة، على الأقل في عهده، وربما تكون زيارته الأخيرة لروسيا خطوة في هذا الطريق، وقد وجد بان كي مون في موسكو ما يريد من تأييد ودعم للمنظمة الدولية وتصميم على مواجهة كافة المحاولات التي تهدف للقضاء على الأمم المتحدة أو تعطيل عملها أو تهميش دورها على الساحة الدولية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني