إسرائيل ترفض شروط حماس للتهدئة.. وحماس ترفض شروط إسرائيل. ولكن في المبتدأ والمنتهى يبقى السؤال الجوهري الأساسي: إلى متى تبقى حالة الحصار الكامل المفروض على 5 .1 مليون فلسطيني في قطاع غزة؟

اقترحت حماس تهدئة لمدة ستة أشهر شريطة أن توافق إسرائيل على وضع نهاية للحصار بفتح المعابر. لكن في المقابل تطالب الحكومة الإسرائيلية قيادة حماس بالتوقف عن العنف دون أن يتعهد الجانب الإسرائيلي بالإمساك عن شن المداهمات والتوغلات المتتابعة داخل القطاع، ودون الموافقة على فتح أي من المعابر.

هذا الموقف الإسرائيلي لم يكن غير متوقع.. فهو ينسجم تماماً مع الاستراتيجية الثنائية الإسرائيلية: ثنائية العمل العسكري للقضاء على المقاومة المسلحة في قطاع غزة، مع الحرص على استمرار دوران العجلة التفاوضية على خط موازٍ دون نتائج.

في هذا الإطار تدخل أيضاً استرتيجية الحصار الكامل. فالهدف هو تجويع أهل قطاع غزة وحرمانهم من الأدوية المنقذة للحياة، والوقود والكهرباء، فيتنامى رويداً تذمر شعبي يتحول بالتدريج إلى غضب عارم تتعالى موجاته الشعبية فيؤدي للإطاحة بحكومة حماس، وبالتالي إفساح المجال لعودة فصيل فتح بقيادة الرئيس أبو مازن إلى القطاع لاسترداد آلة الحكم، وإزاء هذه الاستراتيجية الشريرة لن توافق إسرائيل على فتح المعابر مما يقود بالتداعي الطبيعي إلى سؤال: هل يبقى أهل غزة هكذا يكابدون حالة من الموت الجماعي البطيء؟

هذا الاستفهام ليس سياسيا رغم ان الهدف الإسرائيلي من استمرار الحصار وتشديده سياسي مئة في المئة. إنه سؤال إنساني بشأن شعب ينتشر بين كافة فئاته بما في ذلك الأطفال سوء التغذية في الحد الأدنى والجوع الشامل والمرض بأنواعه على الحد الأعلى.

إن أهل غزة باتوا ببساطة معرضين لحالة انقراض جماعي، والسؤال الإنساني موجه إذن إلى الحكومات العربية. ليس مطلوباً من هذه الحكومات إعلان حالة الجاهزية العليا لجيوشها لكي تشن الحرب على إسرائيل، المطلوب فقط هو التجاوب الإنساني الصرف مع شعب شقيق صدر عليه حكم بالإعدام الجماعي التدريجي من قوة أجنبية.

بطبيعة الحال ستعارض إسرائيل أي توجه لإعادة فتح معبر رفح. والصيغة الإدارية السابقة للمعبر بمشاركة ممثلين للاتحاد الأوروبي وإسرائيل مع عدم مشاركة حكومة حماس لم تعد عملية، ومن ناحية، فان تحميل مصر وحدها عبء مسؤولية قرار بفتح المعبر ليس في الأنصاف في شيء، ومع ضرورة مراعاة اعتبارات السيادة المصرية فإن من المستحسن أن يكون مثل هذا القرار قراراً جماعياً عربياً مبنياً على أسس إنسانية.

في كل الأحوال، فإن الحكومات العربية جمعاء مطالبة بتحرك سريع مع الأخذ في الاعتبار أنه باستمرار وتصاعد الضغوط المادية والنفسية التي يعانيها أهل غزة، فإن الوضع بات مرشحاً لانفجار شعبي شامل.. بل يمكن القول دون مبالغة إن العد التنازلي لهذا الانفجار قد بدأ فعلاً.