من يسمع الجدل الدائر في إسرائيل وكلام مسؤوليها، حول الجولان؛ يحسب أن الهضبة باتت على طريق العودة إلى وطنها الأم سوريا. وربما يعتقد أن فيضاً من الهداية هبط على أهل القرار في تل أبيب، وأوعز إليهم بردّ الحقوق إلى أصحابها.

يتحدثون بلغة ومفردات، توحي وكأنهم أصيبوا بانفتاح مفاجئ واستعداد غير مألوف لديهم، لمقايضة الأرض بالسلام. في حين هم يتهربون يومياً، بل في كل لحظة، من أبسط التزاماتهم الأولية، لتحريك عملية سلام مع الفلسطينيين، عانت من التخريب والتجويف على أيديهم، طوال عقد ونصف من الزمن، إلى الحد الذي جعلها في حالة موت سريري.

ناهيك عن إدارة الظهر منذ ست سنوات، لمبادرة السلام العربية التي اعتمدتها قمة بيروت العربية عام 2002. فهل ان إسرائيل التي تغتال السلام، على غير انقطاع في الساحة الأهم والأساسية؛ وتتجاهل مشروعه الشامل مع العرب جميعهم؛ هي نفسها التي تبدو هذه الأيام، مندفعة نحوه وبهذا الزخم الذي توحي به حركتها الجولانية؟ ثم لماذا هذا الاندفاع المفاجئ في هذه اللحظة بالذات؟

الضجة، الأشبه بالصدمة، التي انفجرت مع تصريح أولمرت، حول ما زعم بأنه على استعداد لمبادلة الهضبة بالسلام؛ لم تنكفئ بعد. بل هي تفاعلت وارتفعت درجة حرارتها. زاد من أهمية إعلانه وأعطاه ما حظي به من أضواء، انه تزامن مع زيارة رئيس الحكومة التركية، رجب أردوغان، إلى دمشق. تعزز ذلك بإشارات تأكيدية من قبل القيادة السورية. ما بدا أنه دخول تركي على خط الوساطة، بخصوص الجولان، أضفى على الموضوع هالة من الجدّية.

أنقرة على علاقة تقليدية وتاريخية جيدة مع إسرائيل، كما أن علاقاتها العربية إجمالاً والسورية بخاصة تسمح لها بلعب دور الوساطة. وليس هناك ما يشير سوى إلى صدق نواياها في القيام بمثل هذه المهمة، لكن هذا الدور لا يكفي، إذا كانت إسرائيل غير جاهزة، بل غير راغبة فعلياً وعملياً، للدخول في هكذا صفقة.

والأدلة على غياب مثل هذه الجاهزية كثيرة. آخرها، فضلاً عن عدم تخليها عن خطابها الحربي وحملتها العدوانية المتواصلة في غزة والضفة، تعمّدها نشر تسريبات عن احتمال حصول لقاء قريب بين أولمرت والرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما سارعت دمشق إلى نفيه.

ومثل هذا الترويج لا يشير سوى إلى أن كل المقصود من قنبلة الدخان السلمي لا يتعدّى وظيفة ذرّ الرماد في العيون؛ لكسب وقت، تريده إسرائيل لمشاريع وحسابات أخرى، غير السلام والجولان. ذلك أنه من المنافي للعقل والمنطق حصول مثل هذا اللقاء في هذه اللحظة التي لايزال فيها الموضوع حبراً على ورق.

حتى لو كان هناك صفقة قيد الإعداد، فليس من الممكن أن يتقدم اجتماع بهذا المستوى على وصول عملية التفاوض إلى خواتمها. ثم ان أولمرت أراد، من جملة ما أراد، فتح «بازار» سياسي داخلي، يصرف من خلاله الأنظار عن الدوامة الأمنية في الأراضي المحتلة. واندلاع التراشق بينه وبين خصمه نتانياهو، حقق له ذلك. ولا غرابة في ذلك. فإسرائيل اعتادت على الخداع والرقص على حبال المشاريع، التي لا تحمل إلا البضائع الوهمية.