احد رؤساء الوفود الذين كانوا عندنا قبل ايام في مؤتمر دول جوار العراق، لم يجد حرجا في ان يقول لمرافقة من التشريفات، بانه مندهش للمفارقة بين ما سمعه عن الكويت وما يراه بعينيه، فقد سمع الكثير عن الصخب السياسي الكويتي، وعن الاحتقان والمطالب المتقاطعة، وآخرها ما حصل في موضع «الفرعيات»، وكما يحصل في موسم الانتخابات في اكثر من بلد، لكنه – ضيفنا السياسي- وقد آثر ان يقوم مع سفير بلاده بجولة على الديوانيات الانتخابية، رأى ما وصفه بانه يدعو للدهشة المغتبطة! ففي خلفية الصورة الكويتية التي تظهر في الخارج، وهي مكتظة بالاصوات العالية والانتقادات الشديدة، يتبدى لمن يقترب ويشاهد ويتعايش، ان هناك نسيجا مؤسسيا قد لا تراه العين السريعة، نسيجا مصنوعا من الحكمة والعقلانية والاعتدال، وهذه هي كلمة السر التي اعطت لكل زمان كويتي دولة ورجالا، اتصلت لهم مقاليد الامانة وبهم تعززت اساسيات الاستقرار القائمة على العدل والتواضع والشورى والايثار، هي ذاتها عناصر الحكم الرشيد الذي تكون فيه الحكمة ضالة المؤمنين، تكون الرحمة حرز الامان الذي يتشارك فيه الجميع بابواب وقلوب مفتوحة.

من هذه الاطلالة نفسها التي وقف عليها السياسي الضيف، فانه يحق بل يجب علينا في الكويت ان نحمد الله ليس فقط على الثراء بل على ما حبانا عز وجل، وعلى الدوام وطوال التاريخ، من نعمة القيادة الحكيمة واللغة المشتركة التي تربط مؤسسات الدولة من القمة الى القاعدة، فتحفظ لها الوفاء والاستقرار والخير المتصل، انها جسور التواصل المفتوح بين القيادة والشعب، والتي ميزت الكويت دوما واسبغت المشروعية والوضوح والثقة المتبادلة التي حفظت للمؤسسات السياسية والاجتماعية صلابتها في كل الظروف والمنعطفات.

ايماننا وشكرنا لله يتضاعفان ونحن نشهد الدور الذي يضطلع به صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد، معززا بحكمة موروثة وبخبرة سياسية مرجعية لعلها الاطول، والاغنى في تاريخ الدبلوماسية العربية، والاعمق في التعاطي المحلي مع مختلف السلطات والقطاعات.

وكان من فضل الله على هذا البلد ان قيض لصاحب الامر، وهو رأس السلطات الدستورية الثلاث، مساعدين واعوانا في مختلف مؤسسات الدولة، من سوية رئيس مجلس الامة السابق ابو عبدالمحسن – جاسم الخرافي، رجال لهم النصيب الوافر من نعمة المنطق والعقلانية والحكمة، ليعينوا صاحب السمو على اكمال مشوار الخير والاستقرار بما يستحقه هذا المشوار من الجهد والمؤازرة.

يبقى علينا في النهاية ان نكون، نحن ايضا، عند ذات السوية من واجب المشاركة في صيانة المسيرة الوطنية وتجديدها بكل ادوات الحرص والعقل وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة والصغيرة، وهذا لا يترجم نفسه عمليا في هذا الوقت بالذات الا امام صناديق الاقتراع، بان ننتخب الحكماء، ونكون بذلك شركاء حقيقيين في ادامة مسيرة الخير واعلائها بنواب منذورين للمنطق والتعقل وللمصلحة العامة، فنحن ان لم ننهض بمسؤولية حسن اختيار من ينوب عنا، فاننا نكون كالذين قيل فيهم:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة اذا جهالهم سادوا

تهدى الامور باهل الرشد ما صلحت

فان تولوا فبالاشرار تنقاد

رحم الله الشاعر الافوه الاودي الذي قال بهذه الحكمة قبل اكثر من 1400 سنة، مزكيا اهل العقل والنطق والحكمة، فهو في ذلك كأنه يتحدث امامنا اليوم، ونحن نجهز لانتخاب من يمثلنا في مجلس الامة، مؤمنين نحن بان من يفترض ان يتولوا امانة تمثيلنا في السلطة التشريعية، هم فقط الحكماء المجربون بالنزاهة والمصداقية في المجالس السابقة، او المستجدون الذين لا يرتهنون لاجندات خاصة او لقوة الحنجرة، نريدهم من اهل الحكمة والرشد بحيث لا نكرر اخطاء الامس.