في الوقت الذي تحقق فيه الإمارات مراكز متقدمة في المجال الاقتصادي أصبحت تفوق فيها دولاً فاقتها في الإمكانات البشرية والمادية، نجد أن الدولة تسجل مراكز متقدمة في مجال الصحة، والتقدم الذي نتحدث عنه لا يحسب كإنجاز للدولة بقدر ما انه يعتبر مؤشراً على تراجعها في بعض مؤشرات الصحة لاسيما إن كنا نتحدث عن أمراض مزمنة قد تتحول إلى قاتلة فيما لو انتشرت واتسعت دائرتها.

منذ أيام استوقفتنا تقارير صحية نشرت في الصحف المحلية. من هذه التقارير ما أشار إلى أن الإمارات احتلت المركز الثاني عالمياً في عدد المصابين بداء السكري، حيث تجاوزت نسبة الإصابة 20% من إجمالي عدد السكان المواطنين حسب آخر إحصائيات المنظمة العالمية للسكري التابعة لمنظمة الصحة العالمية. كما أفادت هيئة الصحة بأبوظبي منذ أيام أن 75% من سكان إمارة أبوظبي يعانون من السمنة، وان النساء فوق سن الثلاثين أكثر وزناً من الرجال، وعليه ستطلق الهيئة حملة توعية حول السمنة مطلع الشهر المقبل.

كما بدأت «البيان» أمس حملة للحد من انتشار مرض الثلاسيميا بالتعاون مع مركز الثلاسيميا بدبي. وحسب التحقيق الذي أجرته الصحيفة فقد كشفت أرقام مركز الثلاسيميا وأبحاث الدم التابع لمستشفى الوصل بدبي أن نسبة الإصابة بالمرض ومن خلال الفحوصات التي تم إجراؤها في المركز من يناير العام الماضي ولغاية العشرين من ابريل الجاري، بلغت أكثر من 12% من السكان، تعتبر من أعلى النسب العالمية، وأظهرت الإحصائيات أن 50% من هذه الإصابات سببها زواج الأقارب.

هذا بالإضافة إلى تقارير أخرى لا يتسع المجال لذكرها لكنها تلفت النظر إلى وجود مشاكل صحية كبيرة في مجتمعنا تفوق المجتمعات الأخرى التي ربما لا نفوقها في عدد السكان، ولا نقل عنها في الإمكانات التي تجعلنا في منأى عن المخاطر الصحية التي باتت تهدد سلامة مجتمع بأكمله.

لا نبالغ ولا نهول في حديثنا عن الوضع الصحي في الدولة، فأمراض خطيرة كمرض السكري، الثلاسيميا، والإصابة الكبيرة بالسمنة التي تترتب عليها الإصابة بأمراض أخرى تؤكد الحاجة إلى دعم الاستراتيجيات الصحية التي وضعتها الدولة والتي يمكن من خلالها مكافحة انتشار هذه الأمراض وتمكنها في المجتمع، لاسيما إن كنا نتحدث عن مجتمع يمثل فيه الشباب السواد الأعظم ونخشى فقدان عدد كبير منهم اثر الإصابة بتلك الأمراض.

لا ننكر الجهود التي تقوم بها بعض الجهات الطبية في الدولة والتي تبقى محل تقدير، لكننا لا نتجاهل جوانب القصور في الصحة والتي قللت من ثقة أفراد المجتمع في الخدمات الصحية المقدمة في الدولة والتي دفعت بهم لتلقي العلاج خارج حدودها مع أن الدولة لا تنقصها الإمكانات لتكون ضمن الوجهات الصحية في العالم، كما أصبحت إحدى الوجهات الاقتصادية والسياحية في العالم. كما أننا في الوقت نفسه نبقى بحاجة إلى تعاون بين الجهات الطبية المحلية والاتحادية لإجراء المزيد من الأبحاث والدراسات التي تقف على أسباب انتشار بعض الأمراض ووضع حلول تتصدى لانتشارها.

كنا ومازلنا نؤمن أن العقل السليم في الجسم السليم، وإذا كانت الدولة اليوم قد حققت إنجازات أثبتت قدرتها الإبداعية في التفكير ورسم ملامح المستقبل سياسياً واقتصادياً، فمن باب أولى أن تنصرف العقول اليوم للتفكير في آليات الحفاظ على صحة وسلامة المجتمع. إذ لا يعقل أن تحرز الإمارات اليوم قصب السبق في معظم المجالات وتتأخر في مجال الصحة الذي يعتبر هو الأساس لاستمرار عطاء البشر وإنتاجيتهم.

maysaghadeer@yahoo.com