استوقفني استطلاع السعادة الذي أجراه موقع «مكتوب»، لم تستوقفني النتائج بقدر ما أثارت التساؤل الذي لا يتوقف لدينا حول البحث عن السعادة، معناها وكيف ومتى نقول «إننا سعداء». العمانيون أكثر العرب سعادة..؟ لماذا لا أشعر بالدهشة وأنا أقرأ ذلك؟
هل تقدم بساطة العمانيين الجواب المأمول هنا عن سر السعادة..؟ ربما وربما ان التفسير يكمن في مكان وأجوبة أخرى. لكن السعادة ما انفكت تستثير أسئلتنا وقلقنا أيضاً. ما هي وما هو مقياسها ومعاييرها وهل يستطيع الجميع أياً كان مستواهم ومنبتهم الاجتماعي ودخلهم وسماتهم النفسية أن يحصلوا عليها وأن يجيبوا إن سئلوا أنهم سعداء؟
أليست السعادة هي ما تبشر به الأديان كلها والمصلحون وأصحاب النظريات والروحانيون وأصحاب التأملات والاقتصاديون والسياسيون والمثقفون؟ أليست هي الغاية الأولى لكل فرد منا منذ ميلاده وحتى مماته؟.. ليس هناك من تفسير لكل هذا الصراع والتنافس بين النظريات والرؤى والأفكار والسياسات سوى أنها أجوبة ووصفات للسعادة. السعادة هي المنتهى والغاية والهدف الذي يشقى من أجله الناس في كل مكان من العالم.
منذ أن اختمر هذا المقال، ثمة مشاهد بعينها تستحوذ على ذهني هي تلك التي عشتها في صغري في منزل جدتي رحمها الله. كان جدي رحمه الله بحاراً ومن بين أيام الأسبوع، كان يقضي في البحر يومين أو ثلاثة أحياناً، فلم يكن أمام جدتي سوى اصطحاب أخي الأكبر (رحمه الله) أو أنا للمبيت عندها في غيابه. كان بيتها صغيراً جداً، لكن مثل بيوت بحرينية كثيرة في ستينات القرن الماضي، كان يضم زريبة صغيرة فيها بقرة تعتاش جدتي من بيع حليبها ودجاج يمرح في حوش المنزل.
في الصيف كنا ننام على سطح الدار الوحيدة في المنزل وما أن يرتفع آذان الفجر إلا وكانت جدتي توقظني وتأمرني بالاستحمام والوضوء لأداء الصلاة. ما إن أفرغ من صلاتي إلا وكانت مائدة الإفطار جاهزة: كأس من الحليب الدافئ، وبيض مقلي مجلوب من قن الدجاج وجبنة وزبدة من صنع يديها وخبز حار جلب تواً من الخباز وشاي. وقبل أن أغادر المنزل بضعة دراهم في جيبي.
ثمة سؤال قفز للتو: لماذا استدعى ذهني هذا المشهد بعينه وأنا أفكر وأتأمل وأحاول أن أشرك القراء في تأملات وجدل عن السعادة؟ هل هذا هو جوابي أم جواب عقلي الباطن عن السعادة؟
الآن بعد أكثر من 40 عاماً على هذا المشهد، أميل للاعتقاد والقول ان البساطة قد تكون سر السعادة الأول. لكن البساطة لا تستطيع أن تنهض وحدها وتقدم لنا وصفة السعادة المطلوبة، عدا أنها البساطة تقدم باقي الجواب أو الأجوبة. إن في المثال جرعة عالية من الحنين للطفولة يستدعيها ذهني في مقابل حاضر راهن مليء بالضغوط والمنغصات من كل نوع. لكن من جديد، هذا جواب أيضاً والطفولة ستبقى بالنسبة للبشر هي المرحلة التي يعيشونها ويعبرونها ويقضون بقية عمرهم يرغبون في استعادتها.
ترى، أين السعادة في أن اكتب أنا وزملاء لي هنا في هذه الصفحة مقالات تفيض بالنقد والغضب عندما نتحدث عن كل هذه المآسي التي تسببها السياسة والمصالح والتعصب من كل الأشكال والحروب؟ وعلى ذكر التعصب، كيف يمكن أن يكون المتعصب سعيداً؟ أي مقياس للسعادة يمكن أن يحمل متعصباً على القول انه سعيد؟
إن جيلي يعيش بقيم ومفاهيم تعلي من قيمة التسامح وتنبذ التعصب والأذية. لقد تشرب جيلي هذه القيم في خضم المآسي من كل نوع، السياسية والاجتماعية وفي ظل ثقافة تقوم على القسر والإكراه. ويبدو التمسك بهذه القيم حتى الآن نوعاً من التمسك بمفاتيح للسعادة المأمولة، لكن فيما نحن نفعل ذلك، ثمة أجيال شابة تحركها منظومة متكاملة هي خليط من إيمان ديني وإحباط عام يضاهي ذاك الذي عاناه جيلي أنا.
لكن هذا الجيل الشاب بات يقدم أجوبة أخرى على هذا الإحباط تقوم على الكثير من التعصب الناتج عن الانكفاء الشديد على الذات، وفي حالات أكثر تطرفاً يعبر هذا عن نفسه في الرغبة في الموت. أي بعبارة أخرى اليأس، فهل يمكن أن يكون اليأس جواباً في مسعى البحث عن السعادة؟
اليائسون ليسوا سعداء، وفي مقالي الأخير هنا المعنون «الديمقراطية والسعادة» كنا أمام فرضية من نوع جديد: الديمقراطية لا تجلب السعادة بل أن السعداء هم من يصنعون الديمقراطية. هنا بالضبط أدعوكم لتأمل استنتاج لافت: لم نسمع أبداً عن انتحاري عماني؟ هل يقدم هذا جواباً عن سر تصدر العمانيين لائحة السعداء في البلدان العربية؟
ربما أن الجواب نعم وربما أنه لا، من يدري فمفاتيح السعادة هي سر هذا البحث المضني للناس في كل مكان وسر صراعاتهم وعداواتهم وحروبهم وحتى العكس، أي سر تسامحهم وانفتاحهم في أحيان أخرى ورغبتهم في المساعدة. أقف أمام استنتاج أو فرضية أخيرة: السعيد هو الخالي من التعصب والأنانية، والمجتمعات السعيدة هي أقلها تعصباً ومشكلات وصراعات من كل نوع؟
كاتب بحريني