كان تاريخ القضية الفلسطينية ولا يزال حافلاً بالوعود والعهود التي قطعتها القوى الدولية العظمى للجانب العربي باتجاه إنشاء كيان فلسطيني جنباً إلى جنب مع الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين التاريخية منذ ستة عقود من الزمن، وذلك حتى قبل قيام هذا الكيان الغاصب القائم على أكاذيب وهلوسات ميثولوجية وتاريخية منافية لأبسط الحقائق المعروفة.
فلقد أصدرت وزارة المستعمرات البريطانية، على سبيل المثال، في 22 يونيو 1922 كتاباً أبيض يحمل الرقم 1700 ويحتوي على المراسلات التي تمت بين تشرشل ووفد عرب فلسطين الذي سافر حينها إلى عاصمة الإمبراطورية التي ما كانت تغيب عنها الشمس ليطالب بإنشاء حكم وطني في فلسطين استناداً إلى العهود المقطوعة للعرب وإلى ميثاق عصبة الأمم.
لكن ذلك الكتاب الأبيض زعم أن تلك العهود لا تشمل فلسطين وأن إنشاء الحكم الوطني سيحول دون تنفيذ الوعد الذي قطعته حكومة الانتداب البريطانية لليهود، الأمر الذي يستدعي ضرورة استمرار تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين. هذا الوعد لا يشكل سوى غيض من فيض مئات المبادرات والمشاريع والوعود السياسية التي تنص على إعطاء الفلسطينيين شيئاً من حقوقهم التاريخية في إنشاء كيان وطني خاص بهم.
لكنها جميعاً لاقت المصير ذاته وذهبت أدراج الرياح متحطمة على صخرة ميزان القوى العالمي والإقليمي الراجح بصورة مطلقة لصالح الدولة العبرية والقوى الدولية الكبرى التي تقف خلفها وتمدها بكل الوسائل التي تضمن بقاءها واستمرارها على قيد الحياة شوكة في حلق أي تحرك وطني يسعى إلى الانعتاق من قبضة قوى الاستعمار على مختلف أشكالها.
أما القوة العظمى الوحيدة المتفردة بالعالم في الوقت الراهن ممثلة بالولايات المتحدة فلقد بلغت وقاحتها السياسية اتجاه القضية الفلسطينية مصافاً غير مسبوقة وغير مقبولة على الإطلاق بعد أن أصبح مصير الشعب الفلسطيني وقضيته مجرد لعبة سياسية تتلهى بها الإدارات الأميركية المتعاقبة عموماً وإدارة بوش الابن على وجه الخصوص في جميع المحافل الدولية وعلى كافة الأصعدة والمستويات، في ظل سباق محموم لا يخلو من السخرية نحو تقديم أوراق اعتماد كل منها على عتبة المحافل الصهيونية أينما وجدت.
ليس هناك حاجة إلى إجراء دراسات معمقة حتى يتبين المرء حقيقة وفرة المشاريع المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني وزيفها بدءاً بمشروع مؤتمر جنيف الذي طرح في منتصف سبعينات القرن الماضي وشق الساحتين الفلسطينية والعربية وحتى الدولية إلى شطرين متناقضين مروراً بمؤتمر مدريد وباتفاقات أوسلو وكامب ديفيد 1 وكامب ديفيد2 وطابا وخارطة الطريق والمبادرة العربية للسلام ومؤتمر أنابوليس وغيرها الكثير وليس انتهاءً بما أطلق عليه رؤية بوش للسلام في الشرق الأوسط والقائمة كما هو مزعوم على حل ينص على قيام دولتين لشعبين على أرض فلسطين، واحدة يهودية وأخرى فلسطينية.
لكن بات من الواضح أنه حتى رؤية بوش هذه قد ذهبت بدورها أدراج الرياح بعد أن بددها بقوة الوعد الأخير الذي قدمه جورج دبليو بوش إلى محمود عباس أثناء زيارة مذلة قام بها الأخير إلى واشنطن، ذلك الوعد الذي ينص على أن الرئيس الأميركي يعد رئيس السلطة الفلسطينية بتقديم تعريف لطبيعة الدولة الفلسطينية قبل نهاية عام 2008 الجاري.
السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه هو: ما الذي حل بما سبق هذا الوعد الأخير من وعود وعهود ومشاريع ومبادرات ومفاوضات وحتى اتفاقات لم يكن التوصل إليها بالأمر الهين على الإطلاق وهل يجب كلام بوش الجديد كل ما سبقه من تحركات؟ أليس منطقياً وضع علامة استفهام كبيرة حول الزيارات المكوكية التي يقوم بها أركان القيادة الأميركية إلى المنطقة وعلى رأسهم بوش نفسه ووزيرة خارجيته رايس.
فلا شك أن هذه التحركات المكثفة لا تأتي في سياق المجاملات والملاطفات، بل إنها تصب بقوة وبصورة مباشرة في دائرة السعي إلى تحقيق مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، لكن يبدو أن قذارة الوسائل المستخدمة في هذا الميدان تتطلب طرح عناوين واهية مغايرة للحقائق القائمة على الأرض، مما يدفع القيمين على هذه السياسة إلى ابتكار عناوين مختلفة لتحركاتهم في المنطقة ومن المنطقي أن يحتل الصراع العربي ـ الصهيوني العنوان الأبرز ضمن تلك السياسات التي لا علم لنا بحقيقتها ومن المتعذر حتى على أعتى مراكز الدراسات والأبحاث الوصول إلى فك ولو جانب من شيفرتها السرية.
إذا أضفنا إلى كل ما تقدم العامل الزمني، الذي يفيد بأنه لم يتبق لبوش في السلطة سوى عشرة أشهر في ظل هذه الشكوك المتعاظمة إزاء فرص التوصل إلى إتفاق سلام في الشرق الأوسط قبل أن يغادر البيت البيض في يناير المقبل، فإنه يتبين لنا أن الأطروحات الأميركية المتعلقة بهذا الملف التاريخي الشائك ما هي إلى مجرد محاولة لكسب مزيد من الوقت لجهة استمرار المشروع الصهيوني واقفاً على قدميه في المنطقة، ذلك أن أصحاب هذا المشروع يدركون قبل غيرهم أن مشروعهم هذا لن تكتب له الحياة في حال انقلاب المعادلة السياسية القائمة على حق القوة وليس قوة الحق في المنطقة.