استفزني قرار هيئة الصحة في دبي تعريب المخاطبات الرسمية التي تصدر عنها، ومنع إصدار شهادات الوفاة بغير اللغة العربية، وإلزام المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات الحكومية والخاصة اعتماد «العربية» في جميع مخاطباتها، وتأكيدها أنها لن تلتفت لأي رسالة تتلقاها مكتوبة باللغة الإنجليزية بعد العاشر من يونيو المقبل، استفزني هذا القرار إيجابياً بالقدر نفسه الذي أسعدني وأسعد الكثيرين غيري من الغيورين على اللغة العربية المتألمين لما آلت إليه بيننا.
لا أحد يستطيع أن ينكر الجانب الإيجابي في قرار مجلس الوزراء باعتماد اللغة العربية لغة رسمية في جميع المخاطبات والمعاملات لأنه يحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها، ولا يمكن إلا أن نقدّر تجاوب الدوائر المحلية في مختلف الإمارات مع القرار وإصدارها قرارات مماثلة تغطي الجانب الذي لم تشمله مظلة القرار الاتحادي، لكن الصورة التي ترسمها هذه القرارات بمظلتيها الاتحادية والمحلية تعكس واقعاً محزناً تعيشه لغتنا العربية بين أبنائها وعلى أرضها.
كان المنطق يقتضي ونحن نتحدث من على أرض عربية أن تكون هذه القرارات معكوسة باعتبار اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة بنص الدستور، ولذلك يفترض أن تكون هي اللغة الأولى فلا تحتاج إلى قرارات وزارية ولا محلية تلزم الجهات الحكومية والخاصة باستخدامها.
وبعبارة أخرى كان يفترض أن تتيح هذه القرارات أو تنص على إضافة لغة أخرى - كالإنجليزية مثلاً - لتسهيل الأمر على غير الناطقين باللغة العربية، هذا لو كان الوضع طبيعياً، ولكن لأن الوضع غير طبيعي فقد جاء القرار غريباً بالنسبة لمن لا يعرف وضعنا المقلوب، أما بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون قيمة اللغة في حياة الشعوب والأمم فقد مر القرار عليهم مرور الكرام ولم يحرك فيهم ساكناً لأن اللغة العربية لا تشكل لديهم ما تشكله اللغة الكورية لدى الكوريين مثلاً.
خلال الفترة من عام 1910 إلى عام 1945 احتلت اليابان كوريا فكانت هذه الفترة أسوأ فترة في التاريخ الكوري، حيث سيطر اليابانيون على كل أوجه الحياة في كوريا، ولم يكتفوا بالسيطرة على الاقتصاد والسياسة والصناعة والزراعة، بل امتدت سيطرتهم إلى المؤسسات التربوية والدينية والثقافية، فتم إلغاء الثقافة الكورية وضمها إلى الثقافة اليابانية، وحلت اللغة اليابانية في المدارس محل اللغة الكورية.
وأُغلِقت الصحف الكورية الصادرة بلغة أهل البلد الأصلية وفُرضت عليها الرقابة، وزيف اليابانيون التاريخ ليثبتوا أن كوريا كانت مرتبطة باليابان ولكن بدرجة أدنى، وسُلِبت العديد من الكنوز القومية والآثار الكورية وتم شحنها إلى اليابان لتختفي إلى الأبد، وأُجْبِر الكوريون على استخدام نظام الأسماء اليابانية، وتقهقرت الفنون والآداب الكورية نتيجة سياسة الإقصاء التي مارسها الاحتلال الياباني إلى الدرجة التي تلاشت معها العديد من الرقصات التقليدية الكورية خلال فترة وجيزة.
لا شك أن هذا أمر مأساوي بالنسبة لأي أمة من الأمم، ولكن ماذا حدث بعد أن أعلنت اليابان استسلامها في الحرب العالمية الثانية واستعادت كوريا استقلالها وحريتها، وما هو أول قرار يمكن أن تصدره أي دولة بعد فترة من الاحتلال بغض النظر عن طول هذه الفترة أو قصرها؟
ربما يتصور البعض أن يكون أول مرسوم تصدره دولة خارجة من احتلال سوف يتعلق بالجوانب الاقتصادية أو السياسية أو إعادة التعمير على سبيل المثال، لكن أول مرسوم أصدرته كوريا في أول عدد من الجريدة الرسمية بعد استقلالها كان مرسوم منع استخدام اللغة اليابانية وإعادة الاعتبار للغة الكورية التي أُهدِرت كرامتها على يد المحتل الياباني. ولأن جيلاً كاملاً من الكوريين قد وُلِد وتربى في ظل غياب لغته الأم، فقد انطلق كبار السن يلقنون الأجيال الجديدة لغتهم الأصلية التي كادت تندثر تحت وطأة قرار المستعمر الياباني الذي أراد أن يغير وجه البلد ويطمس هويتها.
هل ثمة تشابه من نوع ما بيننا وبين بعض الشعوب التي تعرضت لغاتها للتغريب ومحاولات الإقصاء؟ ربما، لكن لغتنا لم تتعرض لهذا التغريب على يد غريب محتل وإنما على أيدينا نحن الذين استهنا بها فهانت على غيرنا، وغيبناها عن حياتنا فغابت عن مظاهر الحياة من حولنا، لذلك أصبح وضعنا أكثر سوءاً من وضع غيرنا لأنه وضع صنعناه بأيدينا لا بأيدي الآخرين. وهذا هو وجه الغرابة في الموضوع كله.
ما يحدث من هبّة لنجدة اللغة العربية على مستوى القرارات الرسمية التي تصدر من السلطات العليا بالدولة يحتاج إلى خطط تنفيذية تجسده على أرض الواقع، وهو الأمر الذي لا نراه ملموساً بشكل ينسجم مع هذه القرارات العليا، اللهم إلا على مستوى مؤسسات ودوائر محدودة تُشكَر لها جهودها في تحويل هذه القرارات إلى ممارسات. وهذه مفارقة عجيبة لا تتفق مع درجة الحماس التي تصدر بها هذه القرارات ومستوى الرغبة التي نبديها في تنفيذها، فما هي الأسباب التي تفرض نفسها علينا وتعيق حركة هذه القرارات وتعطلها؟
هل هو سوق العمل الذي يسيطر عليه غير العرب، أو تتحكم في مداخله ومخارجه وموارده البشرية فئة تعتقد أن اللغة العربية عائق يحول دون التطوير والانطلاق نحو تحقيق مستويات عليا من الأداء لا يمكن تحقيقها في ظل تمسكنا بالعربية، وهي عقدة يعاني منها كثير من المعجبين بالنموذج الغربي إلى درجة الإحساس بالدونية تجاه كل ما هو غير عربي، الأمر الذي يجعلهم أسرى فكر غريب يفرض عليهم شروطاً يأتي على رأسها استخدام كل لغات الدنيا واستبعاد لغة البلد الأصلية؟
هذه هي الفرضية الأقرب إلى الواقع، وهي فرضية تظهر نتائجها على شكل ممارسات أولها إلغاء العربية كلغة أولى من مناهج التعليم وحصرها في مادة واحدة أو اثنتين هما مادتا اللغة العربية والتربية الإسلامية التي هي مرشحة للإلغاء والدمج في مادة اللغة العربية كما يتردد في الوسط التعليمي، مما سيؤدي بالتالي إلى تقليص موضوعات المادتين معاً.
ربما يعتقد البعض أننا نبالغ في نظرتنا التي يتهمونها بالإغراق في التشاؤم، لكن الواقع يقول إن ما نتحدث عنه ونراه في الحاضر أقل بكثير مما نخشاه ونحذر منه في المستقبل، خاصة ونحن نسعى إلى ترسيخ الهوية الوطنية واستعادة ملامحها التي تفقد كل يوم جزءاً منها.
قرار هيئة الصحة في دبي تعريب المخاطبات الرسمية يبهج النفس ويشرح الصدر، لكنه يحمل من الشجن الكثير لأنه يضعنا أمام الحقيقة المرة، ويجعلنا نتمنى لو أن الالتزام باستخدام اللغة العربية كان هو القاعدة وكان الإلزام باستخدامها هو الاستثناء.
كاتب إماراتي
