يلوح في أفق الأزمة اللبنانية، بصيص أمل بالانفراج. قد لا يصح، في هذه اللحظة، تصنيفه في خانة الحلحلة الواعدة. لكنه بالتأكيد يشير إلى هبوب رياح سياسية على البلد؛ من النوع غير المسبوق، في فترة الـ 156 يوماً التي قضاها لبنان، حتى الآن، من غير رئيس.
من هذه الزاوية، تبدو هذه الأجواء وكأنها تختزن دينامية قابلة للتطوير؛ إذا ما احتفظت بزخمها وتوفرت لها الطرق السالكة. التحوّل بهذا الاتجاه، بدأت ملامحه ترتسم مع التبدّل التدريجي في المواقف من عرض العودة إلى الحوار، الذي طرحه منذ أيام، رئيس المجلس النيابي، نبيه بري.
كما في التبدّل الذي طرأ على الخطاب السياسي العام ومفرداته. في البداية جاءت الردود غير مشجعة، على الفكرة. حصل التعامل معها على أنها مناورة ترمي إلى شراء الوقت. ومع مرور موعد الجلسة الثامنة عشرة، من دون انتخاب رئيس، أخذت تتبلور لغة، تغلب عليها الليونة وعلامات التجاوب. أركان في قيادة الموالاة والمعارضة راحت تمهد الطريق أمام القبول بالذهاب إلى طاولة الحوار؛ ولو أنها تحدثت عن شروط.
في ذات الوقت ارتفعت شعارات «التسوية المشرفة»؛ و«اليد الممدودة لكل مبادرة جدّية للحل». عزّز من التفاؤل، مسارعة رئيس المجلس إلى تعيين موعد قريب، في 13 مايو المقبل، لجلسة انتخاب الرئيس ـ التاسعة عشرة ـ وكلامه عن «الأجواء الإيجابية التي تنبئ بالتجاوب مع الدعوة للحوار». الجديد في الأمر، إذا صحّ التعبير، أن الحوار سيدور هذه المرة حول «إعلان النيات»، الذي إذا ما تمّ التوافق بشأنه، تنعقد الجلسة لانتخاب الرئيس الجديد.
بطبيعة الحال، كل ذلك تحيط به علامات استفهام كثيرة. كما أنه موضع تحفظ كبير. إذا لا لشيء فعلى الأقل لأن تعقيدات الأزمة وتداخلاتها المعروفة، تفرض ذلك. ناهيك بشريط الفشل الطويل للمحاولات العديدة التي جرت في السابق. ثم إن الوضع لا يزال على هشاشته المعلومة.
الإشاعات لم تتوقف حول احتمالات عودة مسلسل الاغتيالات إلى الساحة. كذلك لم يحصل بعد تذليل كل العقبات من طريق التئام طاولة الحوار؛ فضلاً عن توفر التوافق على وجوب الخروج، هذه المرة، بثمار من الحوار. لكن الواضح، في المقابل، أن ثمة تزحزحاً قد حصل، من الجانبين، عن ما ينزل في منزلة شروط التعجيز. كذلك يبدو أن عوامل جديدة قد دخلت على خط الأزمة، لصالح فتح كوّة في جدارها السميك؛ كخطوة أولى في عملية تفكيك وإزالة باقي العقبات. ربما كان الدور التركي أحد أبرز هذه العوامل.
بكل حال، هناك الآن، في لبنان، ما يحمل على التفاؤل؛ ولو بدرجة متواضعة ومع التحفظ الشديد. فليس من غير مغزى أن تتقاطع المواقف الرئيسية عند توجه معيّن؛ بعد انسداد مديد. والملفت أن الحركة تجري في الداخل. على الأقل لا أثر ظاهراً للاعب خارجي. الأمر الذي يضاعف من مسؤولية جميع أطراف اللعبة السياسية اللبنانية، في التقاط هذه الفرصة التي قد تكون الأخيرة قبل وصول الصيف اللبناني، الذي غالباً ما تكون أجواؤه السياسية عاصفة.
