قبل بضعة شهور علمت من محمد فايق الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان أنه قرر أن يترك موقعه في المنظمة مع انعقاد المؤتمر العام للمنظمة في أبريل. كان الرجل الذي شغل هذا الموقع منذ نشأة المنظمة في ظروف بالغة الصعوبة يرى أن الوقت قد حان للتغيير، وأنه قد أدى واجبه طوال ربع قرن، وانه لا ينبغي أن يرتبط الموقع بشخص واحد، وأن غيره سيضيف لأداء المنظمة الزاخرة بالشخصيات القادرة على العطاء من مختلف الأقطار العربية.
وبالفعل انعقد المؤتمر في الأسبوع الماضي، وترك الرجل موقعه، واختار أن يرتبط ذلك بتكريم مستحق للرواد الذين ساهموا في إطلاق المنظمة في أصعب الظروف، وقادوا العمل وقدموا التضحيات.. من رحل منهم مثل أول رئيس للمنظمة المناضل العظيم فتحي رضوان، أو من بقوا يواصلون العطاء كالصادق المهدي وسعاد الصباح وكامل زهيري ويحيى الجمل وخير الدين حسيب وغيرهم من الذين ستظل أسماؤهم في ذاكرة الأمة كرواد للنضال من أجل حقوق الإنسان العربي.
حفل تكريم الرواد تحول أيضا إلى حفل لتكريم محمد فايق، والذكرى الخامسة والعشرون لقيام المنظمة أحيت ذكريات البداية الصعبة، حين لم يجد هؤلاء الرواد مكاناً في الوطن العربي يطلقون منه المنظمة، بعد أن رفضت كل الدول العربية أن يعقد المؤتمر التأسيسي على أرضها، لتكون البداية من قبرص!!
وقد اختلف الوضع الآن بلا شك وتغيرت الظروف، وأصبحت حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية موضوعاً أساسيا لحركة المجتمع في كل أنحاء العالم العربي، وتعددت المنظمات الأهلية العاملة في هذا المجال في كل قطر عربي، ووقعت الحكومات على المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأنشأت العديد من الدول العربية مجالس قومية تساعد في نشر ثقافة حقوق الإنسان وتقدم تقاريرها المحايدة عن حالة هذه الحقوق الأساسية في الدولة، كما تقدم توصياتها للقضاء على الانتهاكات ومعالجة أوجه القصور وتعديل التشريعات وإقرار سياسات تكفل ضمان الحقوق الأساسية للمواطن العربي.
ومع ذلك يبقى للمنظمة العربية فضل تحمل مسؤولية البداية الصعبة، ويبقى لها أيضا ما رسخته من مبادئ أعطتها مكانتها المحترمة عربياً دوليا. فقد حرصت المنظمة على أن تكون بعيدة عن الانتماءات الحزبية، وأن تحتفظ باستقلالها عن الحكومات وعن الأحزاب والتكتلات السياسية. ورغم أن معظم مؤسسيها كانوا من التيار القومي، فقد كانت ممارستهم داخل المنظمة لا تميز نظاماً عربياً على آخر.
وساعدهم في ذلك قرارهم منذ البداية أن يعتمدوا في نشاطهم على التمويل الذاتي من أعضاء المنظمة وألا يقبلوا أي دعم من الحكومات، وأن يرفضوا تماماً المعونات الأجنبية التي تدفقت بعد ذلك على العديد منظمات حقوق الإنسان في الوطن العربي حاملة معها «الأجندة» الخاصة بها.
عندما أنشئت المنظمة قبل ربع قرن كان محمد فايق خارجاً لتوه من السجن. وكان قد قضي عشر سنوات لأنه قدم استقالته للرئيس السابق السادات من منصبه كوزير إعلام في القضية التي سميت بقضية مراكز القوى!! وكان السادات قد عرض عليه في نصف المدة أن يفرج عنه إذا قدم طلباً يقر فيه بالخطأ ويطلب العفو، ورفض فايق وقضى مدة العقوبة كاملة.
وخرج من السجن ليعود إليه بعد شهور في حملة سبتمبر الشهيرة التي اعتقل فيها السادات رموزا سياسية من كافة التيارات. وبعد اغتيال السادات كان فايق ضمن الدفعة الأولى التي خرجت من السجن ليستقبلها الرئيس مبارك في القصر الجمهوري. ومن المؤكد أن تجربة السجن كانت وراء توجهه لتخصيص معظم جهده على مدى ربع قرن لقضايا حقوق الإنسان.
واليوم.. ما أبعد المسافة بين «ليماسول» العاصمة القبرصية التي انعقد فيها المؤتمر الأول للمنظمة، وبين قاعة الفندق القريب من مطار القاهرة، حيث كانت المنظمة تحتفل بمرور ربع قرن على إنشائها. ما أبعد المسافة وما أشد ما تغيرت الظروف. كانت الظروف صعبة ومازالت الظروف كذلك.. مازال هناك أبرياء في السجون وقوانين تقيد الحريات ومحاكم استثنائية، ومازلنا بعيدين عما نتمناه لوطننا العربي من أوضاع ديمقراطية ومن حياة كريمة يتوافر فيها الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للمواطن.
ومع ذلك كله فإن ربع قرن من النضال من أجل حقوق الإنسان العربي لم يذهب سدى. فلم تعد الأنظمة تتعامل مع المواطنين على أنهم عبيد إحساناتها، ولم يعد المواطن جاهلاً بحقوقه أو ساكتاً عنها، وأصبحت حرية المواطن هي الأساس في حرية الوطن.
انفتح الطريق وبدأت المسيرة ومعها مشاكلها العديدة، قوى في الداخل تكره أي حديث عن الحرية والإصلاح، وقوى من الخارج تريد أن تفرض علينا مالا نريد، ولكننا ندرك أن في إسلامنا الصحيح، وفي عروبتنا المتسامحة ما يضمن لنا أن نقدم نموذجنا الرائع في حقوق الإنسان.. للعالم ولأنفسنا.