كان لابد للمعلم أن يزور طهران على عجل، بعد التهديد الأميركي للبنانيين بـ «صيف ساخن آخر» كما جاء على لسان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش، وبعد الأنباء المتسارعة حول استعداد اولمرت «لإعادة الجولان السوري كاملا إلى السيادة السورية» تتويجا لجهود الوسيط التركي الطامح بدور إقليمي متنام.

وكذلك بعد الأنباء المتسارعة أيضا عن وجود جهود أميركية حثيثة تلح على ضرورة «تعزيز عروبة العراق وإعادته إلى الحظيرة العربية لمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي فيه» كما جاء على لسان الوزيرة رايس وهي في طريقها إلى اجتماع دول الجوار العراقي في الكويت!

كل ملف من هذه الملفات لوحده يمكن أن يشعل حربا ما في المنطقة فكيف إذا اجتمعت ثلاثتها في لحظة واحدة؟ ألا تستدعي مثل هذه اللحظة اجتماعا تشاوريا عاجلاً بين الحليفين المصنفين من قبل الأميركي بأنهما «المعرقلان الحقيقيان» لحل النزاعات الثلاثة الآنفة الذكر؟

على وقع هذه الأخبار ستعيش المنطقة العربية أسابيع ساخنة ومتوترة إضافية قبل أن ينكشف السيناريو الإسرائيلي الحقيقي بخصوص هذه «الخديعة» الجديدة كما يؤكد الكثير من المطلعين، وقبل أن تنكشف حقيقة السيناريو الأميركي الجديد بخصوص ما تتخوف منه المعارضة اللبنانية مما تسميه بخطر «التدويل» لملفها مهما قالت عنه دول عربية أساسية ومعها أمين الجامعة بأنها «قضية عربية» في إشارة أقوى من التصريح لرفض توجهات ما بات يعرف بـ «المحور السوري الإيراني»!

وهنا لا بد من التذكير بالكلام الكثير الذي قيل على مدى الأشهر الأخيرة عن ضرورة فك ارتباط سوريا مع حليفها الإيراني و«إعادتها إلى الحظيرة العربية بأي ثمن كان بعد أن تحولت إلى أداة طيعة بيد المخطط الإيراني»!

ولذلك فإن ثمة من يؤكد أن الوساطة التركية لن تأتي بأي شيء جدي مهما كان طموح «المارد» التركي عاليا وأن اولمرت إنما يلعب في الوقت الأميركي الضائع محاولا إعادة لعب ورقة ما عرف بـ «وديعة رابين» حتى تحين ساعة الصفر الأميركية بالنسبة لشكل التعامل مع مثلث الممانعة المتمثل بتحالف دمشق وطهران وحزب الله اللبناني، وعليه فإن المعلم جاء ليطمئن طهران بأن «خديعة اولمرت» لن تمر وان سوريا لن تقص جناحيها الإيراني واللبناني من أجل خديعة سرعان ما ستنكشف وتتبخر كسابقاتها!

وأما فيما يخص تصريحات السيدة رايس قبل توجهها إلى المنامة في طريقها إلى اجتماع دول الجوار حول العراق والذي دعت فيه الدول العربية إلى ما سمته بـ «تعزيز هوية العراق العربية» موضحة نصيحتها بالقول بأنه «يجب إعادة دمج العراق في العالم العربي، لأن هذا الأمر بحد ذاته سيساهم في الحماية من النفوذ الإيراني» مستدركة بالقول «طبعاً إيران دولة جارة وذات تأثير لا يمكن إنكاره... لكن العراق قبل كل شيء دولة عربية» وهي تصريحات وضعها المراقبون في خانة... كاد المريب أن يقول خذوني!

فمنذ متى كان العرب أو المسلمون ودول الجوار العراقي في شك من عروبة العراق؟!

ومن هو الذي اعتدى على عروبة العراق أولا ومن ثم على هويته وتاريخه ومتحفه وعلمائه والذي كشف الرئيس الأسد قبل أيام فقط بأن وزير خارجية أميركا السابق كولن باول طلب منه بعد الغزو مباشرة بأن تمتنع سوريا عن استقبال العلماء العراقيين، ربما أيضاً في سياق دمج العراق في العالم العربي!!

هل هي صحوة أميركية متأخرة...؟! أم ندم على فعلة لم يكونوا يعرفون مداها؟!

لقد كان الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي أول من عرض ومبكرا جدا اجتماعا لدول الجوار العراقي إلى جانب مصر والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي برعاية الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان وذلك منعا للحرب وتجنب ويلاتها وهو ما من شأنه أن يحافظ على سيادة العراق ووحدة أراضيه وعروبته وإسلامه وحسن علاقته بدول الجوار بالتأكيد لكن الذي رفض وقتها بشدة مثل هذا الاقتراح ووأد الفكرة في مهدها هو الحكومة الأميركية بالرغم من حماس الأمين العام وتشجيعه!

فالمراقبون يسألون اليوم بكل جدية واستغراب: لماذا اليوم هذا الحماس المتأخر وغير المعهود من جانب أميركا لعروبة العراق؟!

لكننا إذا ما قرأنا حماس الظواهري في هذا السياق أيضاً وحديثه المفاجئ عن «أطماع إيران في العراق والجزيرة العربية وتمددها باتجاه حلفائها في الجنوب اللبناني»، وتابعنا أيضا حرص «الليبراليين العرب الجدد» المتجدد عن عروبة العراق وهم الذين كانوا يتهمون المدافعين عن عروبته أو إسلامه من المعارضين للغزو والحرب عليه بـ «القومجية» و«الاسلامية» و«الغوغائية» المعادية لفكرة تحرير العراق وديمقراطيته العتيدة.

وإذا تذكرنا كذلك مقولات «أخطار التمدد الصفوي على لبنان» لأبطال ثورة الأرز والاستقلال والسيادة والحرية اللبنانيين الجدد، وكذلك مقولة «الخطر الداهم على العرب من جانب الهلال الشيعي» والتي يتم تجديدها كلما استجدت الحاجة للحشد ضد المرشحة الجديدة للعدوان أي الجارة إيران!

نعرف عند ذلك ونتأكد أن المطلوب هو استعداء إيران وحشد العرب والرأي العام العالمي ضد خطر إيراني مزعوم وليس الدفاع عن عروبة العراق!

وإلا لماذا هدمت الإدارة الأميركية ودمرت وفككت الدولة العراقية وجيشها وشرطتها وكل البنى التحتية لهذا البلد العربي المظلوم ولا يزال المندوب السامي الشهير بول بريمر حتى الآن يدافع عن كل قراراته تلك ويعتبرها عين الصواب ورايس لا تنبس ببنت شفة؟!

ثمة من يقول إن مهمة الهدم في العراق وكسب المليارات من الأرباح من وراء ذلك قد وصلت إلى طريق مسدود وان المطلوب الاستعداد لمهمة هدم وكسب جديدين!

كاتب إيراني