تراجع الدولارـ رمز الهيمنة الأميركية العالمية ـ ليس بحاجة إلى رجل اقتصاد كي يشرح تأثيره علينا. فنحن جميعاً نستشعر ونعيش تأثير تراجع قيمة الدولار على حياتنا اليومية. فارتفاع أسعار البضائع وارتفاع التضخم في مجتمعاتنا الخليجية مرتبط ارتباطاً كبيراً بتراجع قيمة الدولار الأميركي الذي ألقى بظلاله على ارتفاع تكاليف الواردات الخليجية بسبب تراجع قيمة الدولار في الأسواق العالمية.
فالتاجر أصبح يفضل بيع بضاعته بعملات غير الدولار الأميركي نتيجة لتراجع الثقة العالمية في قيمة الدولار؛ حتى المواطن الأميركي في بلده أصبح وفقاً لاستطلاعات الرأي لا يثق في عملته The Dollar Index الذي يقيس الدولار مقابل ستة من العملات الرئيسية في العالم يشير إلى وجود تراجع كبير لقيمة العملة الخضراء يتمثل بنحو 3. 8 بالمئة في كل من عام 2006 وعام 2007 ووصل إلى 4. 6 % في عام 2008.
كل العملات الرئيسية من اليورو للجنية الإسترليني والين الياباني فالدولار الكندي وحتى اليوان الصيني كلها عملات حققت تقدماً في قيمتها مقابل الدولار. لذلك فمن الطبيعي أن يُلقي تراجع قيمة الدولار بظلاله على قيمة العملات المرتبطة به كعملات الدول الخليجية.
عملات الدول الخليجية مرتبطة اليوم بالدولار أما في السابق كانت عملات الدول الخليجية مرتبطة بالروبية الخليجية التي كان يصدرها البنك الاحتياطي الهندي وكانت متصلة بالجنيه البريطاني. وبداية التحول نحو الدولار كانت مع دولة الإمارات التي ربطت عملتها «الدرهم» بالدولار الأميركي في عام 1978.
ثم قامت السعودية بعد ذلك بربط عملتها «الريال» بالدولار الأميركي في عام 1986، في حين أن الكويت فضلت ربط عملتها بسلة عملات منذ عام 1975 وحتى عام 2003 عندما بدأت تستخدم الدولار الأميركي كاستعداد من طرفها للتأقلم مع إقامة عملة خليجية موحدة، لكنها ألغت هذا الربط في مايو من العام الماضي بعد أن وجدت بأن الالتزام بالربط مع سلة عملات يشكل الخيار الأفضل من الاستمرار مع الدولار المتراجع في ذلك الوقت.
تراجع قيمة الدولار جعل الكثير من الدول تتخذ سياسة الابتعاد عن الدولار أو التقليل من الاعتماد عليه لصالح التركيز على عملات أخرى رئيسة في العالم. فدول رئيسية منتجة للنفط كإيران وفنزويلا وروسيا بدأت تبيع نفطها بعملات أخرى غير الدولار كاليورو والين الياباني؛ كما شاهدنا دول أخرى ككوريا الجنوبية تطلب من مشتري السفن الدفع بالعملة المحلية.
وعلى عكس ذلك نجد دول الخليج العربية تتمسك بالربط بالدولار وترفض الإعلان عن نيتها فك ارتباطها به رغم إدراكها تأثير مثل هذا الأمر عليها اقتصادياً؛ فهذه الدول تصدر النفط الذي يباع بالدولار الأميركي المتراجع والذي يجعل قيمة برميل النفط التي تحصل عليها دول الخليج معرضه للتراجع، كما أن الأصول المالية الخليجية المقدرة بـ 500 مليار دولار أميركي معرضة لتآكل قيمتها مع تراجع الدولار الأميركي.
بالإضافة إلى أن قيمة العملات الخليجية أصبحت متراجعة عما كانت عليه في السابق بسبب الربط مع الدولار؛ اقتصادياً أصبح هذا الأمر يفرض على دول الخليج العربية الحاجة إلى فك ربط عملاتها بالدولار، لكن دول الخليج العربية ما زالت ملتزمة بالربط مع الدولار وترفض دعوات بعض الدول كإيران وفنزويلا بوقف تسعير النفط بالدولار الأميركي.
ورغم وجود بعض الدعوات هنا وهناك من مسؤولين ماليين خليجيين لضرورة فك الارتباط بالدولار إلا أن الاستجابة تظل بعيدة عن تلك المطالب، وحتى الكويت التي عادت إلى اعتماد أسلوب الربط بسلة عملات مازالت تجعل الدولار العملة الأساسية داخل تلك السلة.
هذا الأمر يأخذنا إلى التساؤل عن السبب وراء التزام الدول الخليجية بالربط بالدولار لطالما أن الاستمرار معه يجلب أضراراً اقتصادية، فالاقتصاديون يكادون يجمعون على ضرورة فك الدول الخليجية ارتباط عملاتها بالدولار. رفض الدول الخليجية فك ارتباط عملاتها بالدولار مرتبط بشكل أساسي بالسياسة، فقرار فك الارتباط بالدولار هو قرار سياسي بحت نظراً للعلاقة الخاصة القائمة بين دول الخليج العربية والولايات المتحدة الأميركية ونظراً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور بالضرر الأمني على المنطقة في حالة انهيار الاقتصاد الأميركي.
دول الخليج محقة سياسياً في ضرورة الاستمرار مع الدولار لأنها تدرك حاجتها للولايات المتحدة كقوة تقدم الدعم السياسي والأمني لها ولا تود هذه الدول أن تُظهر نفسها على أنها وراء انهيار الدولار الأميركي، حيث إن فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار سيؤدي إلى إلحاق الضرر الكبير بالدولار الأميركي وبالتالي الاقتصاد الأميركي الذي قد يصاب بكساد اقتصادي قد يفرض على الولايات المتحدة الابتعاد عن الشؤون الدولية والانخراط بشؤونها المحلية تماما.
كما حدث في فترة الثلاثينات من القرن الماضي عندما تراجعت الولايات المتحدة عن التزاماتها تجاه أوروبا والعالم نتيجة للكساد الاقتصادي الذي أصاب الولايات المتحدة الأمر الذي أدى إلى بروز دول عدوانية مهددة للأمن والاستقرار العالميين كألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وأسبانيا الدكتاتورية. تكرار مثل هذه الصورة ليس من مصلحة الدول الخليجية.
حيث إن المنطقة الخليجية وما حولها أصبحت هي مركز ثقل التوتر العالمي الذي لا يمكن أن تتحمل خروج الولايات المتحدة منهزمة بسبب الكساد الاقتصادي تماماً كما خرجت الولايات المتحدة من أوروبا في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى لأن ذلك سيلقي بظلاله على أمن واستقرار المنطقة الخليجية بشكل مباشر. فدول الخليج العربية وإن كانت تنظر بعين الخاسر اقتصادياً في معادلة تراجع قيمة الدولار الأميركي إلا أنها تدرك خطورة استمرار الانهيار الأميركي ووصول اقتصادها إلى وضع الكساد وتأثير ذلك على أمنها واستقرارها.
فالقرار بعدم فك الارتباط هو قرار سياسي ولا يمكن لدول الخليج أن تسهم في اتخاذ أي خطوة من شأنها أن تخلق مثل تلك الحالة المهددة للاقتصاد الأميركي من جهة وللأمن والاستقرار الدوليين من جهة أخرى لأنها تدرك بأنها ستكون من أكثر المتضررين.
قسم السياسة - جامعة الإمارات